لَمّـا تُوُفِّيَ أَبُو إِبْـراهيمَ مُوسَـى بْنِ جَعْفَـرٍعَلَيْهِمَا السَّلاَمُ جَمَعَ هارُونُ الرَّشِيدِ شُيُوخَ الطَّالِبِيَّةِ وَبَنِي العَبَّاسِ وَسائِرِ أَهْلِ المَمْلَكَةِ وَالحُكَّامِ وَأَحضَرَ أَبَاإِبراهِيمَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، فَقالَ: هذا مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ ماتَ حَتفَ أَنْفِهِ، وَما كانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ما أَستَغفِرُ اللَّهَ مِنْهُ فِي أَمْرِهِ - يَعْنِي فِي قَتلِهِ - فَانْظُرْوا إِلَيْهِ، فَدخَلُوا عَلَيْهِ سَبْعُونَ رَجُلاً مِن شِيعَتِهِ، فَنَظَرُوا إِلى مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ وَلَيْسَ بِهِ أَثَرَ جِراحَةٍ وَلا خَنقٍ، وَكانَ فِي رَجُلِهِ أَثَرُ الحِنَّاءِ، فَأَخَذَهُ سُلَيْمانُ بْنِ أَبي جَعْفَرٍ، فَتَوَلّى غُسْلَهُ وَتَكفِينَهُ وَتَحَفّى وَتَحَسَّرَ فِي جِنازَتِهِ.قالَ مُصَنِّفُ هذا الْكِتاب: إِنَّما أَورَدتُ هذِهِ الأَخْبارَ فِي هذا الْكِتابِ رَدّاً عَلَى الواقِفَةِ عَلَى مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، فَإِنَّهُم يَزْعُمُونَ أَنَّهُ حَىٌّ وَيُنكِرُونَ إِمامَةَ الرِّضا عَلَيْهِ السَّلامُ وَإِمامَةَ مِن بَعْدَهُ مِنَ الأَئِمَّةِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُو فِي صِحَّةِ وَفاة مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إِبطالُ مَذْهَبِهِم، وَلَهُم فِي هذِهِ الأَخْبارِ كَلامٌ يَقُولُونَ: إِنَّ الصَّادِقَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: الإِمامُ لا يُغَسِّلُهُ إِلاّ الإِمامُ، وَلَوْ كانَ الرِّضا عَلَيْهِ السَّلامُ إِماماً كَما ذَكَرتُم لَغَسَّلَهُ، في هذِهِ الأَخْبارِ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ غَسَّلَهُ غَيْرُهُ.وَلا حُجَّةَ لَهُم عَلَيْنا فِي ذلِكَ، لأَنَّ الصَّادِقَ عَلَيْهِ السَّلامُ إِنَّما نَهى أَن يُغَسِّلَ الإِمامَ إِلاّ مَن يَكُونُ إِماماً، فَإِنَّ دَخَلَ مَن يُغَسِّلُ الإِمامَ فِي نَهيِهِ فَغَسَّلَهُ لَمْ يُبطِل بِذلِكَ إِمامَةَ الإِمامِ بَعْدَهُ، وَلَمْ يَقُل عَلَيْهِ السَّلامُ: أَنَّ الإِمامَ لا يَكُونُ إِلاّ الَّذِي يُغَسِّلُ مَن قَبْلَهُ مِنَ الأَئِمَّةِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ، فَبَطَلَ تَعَلَّقُهُم عَلَيْنا بِذلِكَ.عَلَى أَنَا قَدْ رُوَّينا فِي بَعْضِ هذِهِ الأَخْبارِ: أَنَّ الرِّضا عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ غَسَّلَ أَباهُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍعَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، مِن حَيْثُ خَفِيَ عَلَى الحاضِرِينَ لِغُسلِهِ غَيْرِ مَنِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ، وَلا تُنكِرُ الواقِفَةُ أَنَّ الإِمامَ يَجُوزُ أَن يَطوِيَ اللَّهُ تَعالى لَهُ البُعدَ حَتّى يَقطَعَ المَسافَةَ البَعِيدَةَ فِي المُدَّةِ اليَسِيرَةِ.