28 - حَدَّثَنا
مُحَمَّدِ بْنِ عَلِى ماجِيلوَيْه رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: حَدَّثَني
عَمِّي مُحَمَّد بن أَبي القاسِم قالَ: حَدَّثَني أَبُو سَمينَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِى الكُوفِي الصَّيْرَفيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِاللَّه الخراسانِيِّ خادِمُ الرِّضا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ
دَخَلَدَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الزَّنَادِقَةِ عَلَى الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلامُ وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلامُ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَكُمْ وَلَيْسَ هُوَكَمَا تَقُولُونَ أَلَسْنَا وَإِيَّاكُمْ شَرَعاً سَوَاءً، وَلا يَضُرُّنَا مَا صَلَّيْنَا وَصُمْنَا وَزَكَّيْنَا وَأَقْرَرْنَا؟ فَسَكَتَ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلامُ إِنْ يَكُنْ الْقَوْلُ قَوْلَنَا - وَهُوَقُولُنا - كَمَا نَقُولُ، أَلَسْتُمْ قَدْ هَلَكْتُمْ وَنَجَوْنَا؟قَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ، فَأَوْجِدْنِي كَيْفَ هُوَ؟ وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: وَيْلَكَ! إِنَّ الَّذِي ذَهَبْتَ إِلَيْهِ غَلَـطٌ.هُوَ أَيَّنَ الأَيْنَ وَكَانَ وَلا أَيْنَ وَهُوَكَيَّفَ الْكَيْفَ، وَكَانَ وَلا كَيْفَ فَلا يُعْرَفُ بِكَيْفُوفِيَّةٍ وَلا بِأَيْنُونِيَّةٍ وَلا بِحَاسَّةٍ، وَلا يُقَاسُ بِشَيْءٍ.قَالَ الرَّجُلُ: فَإِذَنْ إِنَّهُ لا شَيْءَ إِذَا لَمْ يُدْرَكْ بِحَاسَّةٍ مِنَ الْحَوَاسِّ، فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلامُ: وَيْلَكَ لَمَّا عَجَزَتْ حَوَاسُّكَ عَنْ إِدْرَاكِهِ أَنْكَرْتَ رُبُوبِيَّتَهُ وَنَحْنُ إِذَا عَجَزَتْ حَوَاسُّنَا عَنْ إِدْرَاكِهِ أَيْقَنَّا أَنَّهُ رَبُّنَا، وَأَنَّهُ شَيْءٌ بِخِلافِ الأَشْيَاءِ. قَالَ الرَّجُلُ: فَأَخْبِرْنِي مَتَى كَانَ؟ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلامُ: أَخْبِرْنِي مَتَى لَمْ يَكُنْ فَأُخْبِرَكَ مَتَى كَانَ.قَالَ الرَّجُلُ: فَمَا الدَّلِيلُ عَلَيْهِ؟ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: إِنِّي لَمَّا نَظَرْتُ إِلَى جَسَدِي فَلَمْ يُمْكِنِّي فِيهِ زِيَادَةٌ وَلا نُقْصَانٌ فِي الْعَرْضِ وَالطُّولِ وَدَفْعُ الْمَكَارِهِ عَنْهُ وَجَرُّ الْمَنْفَعَةِ إِلَيْهِ، عَلِمْتُ أَنَّ لِهَذَا الْبُنْيَانِ بَانِياً، فَأَقْرَرْتُ بِهِ مَعَ مَا أَرَى مِنْ دَوَرَانِ الْفَلَكِ بِقُدْرَتِهِ، وَإِنْشَاءِ السَّحَابِ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ، وَمَجْرَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآْيَاتِ الْعَجِيبَاتِ الْمُتْقَنَاتِ عَلِمْتُ أَنَّ لِهَذَا مُقَدِّراً وَمُنْشِئاً.قَالَ الرَّجُلُ: فَلِمَ احْتَجَبَ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلامُ: إِنَّ الْحِجَابَ عَلَى [عَن خ ب] الْخَلْقِ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ فَأَمَّا هُوَفَلا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فِي آنَاءِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.قَالَ: فَلِمَ لا تُدْرِكُهُ حَاسَّةُ الْبَصَرِ؟ قَالَ: لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ الَّذِينَ تُدْرِكُهُمْ حَاسَّةُ الأَبْصَارِ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ، ثُمَّ هُوَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يُدْرِكَهُ بَصَرٌ، أَوْ يُحِيطَ بِهِ وَهْمٌ، أَوْ يَضْبِطَهُ عَقْلٌ.قَالَ: فَحُدَّهُ لِي، فَقَالَ: لا حَدَّ لَهُ، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لانَّ كُلَّ مَحْدُودٍ، مُتَنَاهٍ إِلَى حَدٍّ، وَإِذَا احْتَمَلَ التَّحْدِيدَ احْتَمَلَ الزِّيَادَةَ، وَإِذَا احْتَمَلَ الزِّيَادَةَ احْتَمَلَ النُّقْصَانَ، فَهُوَغَيْرُ مَحْدُودٍ وَلا مُتَزَايِدٍ وَلا مُتَنَاقِصٍ وَلا مُتَجَزِّئٍ وَلا مُتَوَهَّمٍ.قَالَ الرَّجُلُ: فَأَخْبِ��ْنِي عَنْ قَوْلِكُمْ: إِنَّهُ لَطِيفٌ وَسَمِيعٌ وَبَصِيرٌ وَعَلِيمٌ وَحَكِيمٌ، أَيَكُونُ السَّمِيعُ إِلا بِالأُذُنِ، وَالْبَصِيرُ إِلا بِالْعَيْنِ، وَاللَّطِيفُ إِلا بِعَمَلِ الْيَدَيْنِ، وَالْحَكِيمُ إِلا بِالصَّنْعَةِ؟ فَقَالَ: أَبُو الْحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلامُ: إِنَّ اللَّطِيفَ مِنَّا عَلَى حَدِّ اتِّخَاذِ الصَّنْعَةِ، أَوَمَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَتَّخِذُ شَيْئاً فَيَلْطُفُ فِي اتِّخَاذِهِ؟ فَيُقَالُ مَا أَلْطَفَ فُلاناً، فَكَيْفَ لا يُقَالُ لِلْخَالِقِ الْجَلِيلِ: لَطِيفٌ؟ إِذْ خَلَقَ خَلْقاً لَطِيفاً وَجَلِيلاً وَرَكَّبَ فِي الْحَيَوَانِ مِنْهُ أَرْوَاحَهَا وَخَلَقَ كُلَّ جِنْسٍ مُتَبَايِناً مِنْ جِنْسِهِ فِي الصُّورَةِ وَلا يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضاً فَكُلٌّ لَهُ لُطْفٌ مِنَ الْخَالِقِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ فِي تَرْكِيبِ صُورَتِهِ، ثُمَّ نَظَرْنَا إِلَى الأَشْجَارِ وَحَمْلِهَا أَطَايِبَهَا الْمَأْكُولَةَ مِنْهَا وَغَيْرَ الْمَأْكُولَةِ فَقُلْنَا عِنْدَ ذَلِكَ: إِنَّ خَالِقَنَا لَطِيفٌ، لا كَلُطْفِ خَلْقِهِ فِي صَنْعَتِهِمْ وَقُلْنَا: إِنَّهُ سَمِيعٌ لانَّهُ لا يَخْفَى عَلَيْهِ أَصْوَاتُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ الْعَرْشِ إِلَى الثَّرَى مِنَ الذَّرَّةِ إِلَى أَكْبَرَ مِنْهَا فِي بَرِّهَا وَبَحْرِهَا، وَلا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِ لُغَاتُهَا فَقُلْنَا عِنْدَ ذَلِكَ: إِنَّهُ سَمِيعٌ لا بِأُذُنٍ وَقُلْنَا: إِنَّهُ بَصِيرٌ لا بِبَصَرٍ، لانَّهُ يَرَى أَثَرَ الذَّرَّةِ السَّحْمَاءِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ عَلَى الصَّخْرَةِ السَّوْدَاءِ، وَيَرَى دَبِيبَ الَّنمْلِ فِي اللَّيْلَةِ الدُّجْنَةِ وَيَرَى مَضَارَّهَا وَمَنَافِعَهَا وَأَثَرَ سِفَادِهَا وَفَرَاخَهَا وَنَسْلَهَا، فَقُلْنَا عِنْدَ ذَلِكَ: إِنَّهُ بَصِيرٌ لا كَبَصَرِ خَلْقِهِ.