The Hadith Database
الكتب المستجدّات
تسجيل الدخول تصفّح المستجدّات EN
EN
الرئيسية / الكتب / عيون أخبار الرضا / الجزء ١ / مجلس مناظرة الرضا (عليه السلام) مع كبار المتكلمين من بين الخطباء والملل المختلفة / الحديث ١٦٠
حديث ١٦٠
رقم الحديث
١٦٠
الكتاب
عيون أخبار الرضا
الجزء
١
الفصل
القسم ١٢
القسم
المحتوى
الباب
مجلس مناظرة الرضا (عليه السلام) مع كبار المتكلمين من بين الخطباء والملل المختلفة
المصدر
الشيخ محمد بن علي الصدوق
۞
1 - حَدَّثَنا أَبُو مُحَمَّد جَعْفَرِ بْنِ عَلِىِّ بْنِ أحْمَد الفَقِيه القُمِّيّ ثُمَّ الإيلاقى رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: أَخْبَرنا مُحَمَّد الحَسَن بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِىِّ بْنِ صدقه القُمِّيّ قالَ: حَدَّثَني أَبُو عمرو مُحَمَّدِ بْنِ عمر بْنِ عَبْد العَزِيز الأَنْصارِي الكَجِّيُّ قالَ: حَدَّثَني مَن
سَمِعَ الحَسَن بْنِ مُحَمَّد النُّوفَلِيِّ ثُمَّ الهاشِمي يَقُولُ لَمَّا قَدِمَ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَى الْمَأْمُونِ أَمَرَ الْفَضْلَ بْنَ سَهْلٍ أَنْ يَجْمَعَ لَهُ أَصْحَابَ الْمَقَالاتِ مِثْلَ الْجَاثَلِيقِ وَرَأْسِ الْجَالُوتِ وَرُؤَسَاءِ الصَّابِئِينَ وَالْهِرْبِذِ الأَكْبَرِ وَأَصْحَابِ زَرْدَهُشْتَ وَنِسْطَاسَ الرُّومِيِّ وَالْمُتَكَلِّمِينَ لِيَسْمَعَ كَلامَـهُوَكَلامَهُمْ فَجَمَعَهُمُ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ ثُمَّ أَعْلَمَ الْمَأْمُونَ بِاجْتَِماعِهِمْ فَقَالَ: أَدْخِلْهُمْ عَلَيَّ فَفَعَلَ فَرَحَّبَ بِهِمُ الْمَأْمُونُ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ إِنِّي إِنَّمَا جَمَعْتُكُمْ لِخَيْرٍ وَأَحْبَبْتُ أَنْ تُنَاظِرُوا ابْنَ عَمِّي هَذَا الْمَدَنِيَّ الْقَادِمَ عَلَيَّ فَإِذَا كَانَ بُكْرَةً فَاغْدُوا عَلَيَّ وَلا يَتَخَلَّفْ مِنْكُمْ أَحَدٌ فَقَالُوا: السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَحْنُ مُبْكِرُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.قَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّوْفَلِيُّ فَبَيْنَا نَحْنُ فِي حَدِيثٍ لَنَا عِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلامُ إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا يَاسِرٌ وَكَانَ يَتَوَلَّى أَمْرَ أَبِي الْحَسَنِ‏ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَالَ: يَا سَيِّدِي إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ وَيَقُولُ فِدَاكَ أَخُوكَ إِنَّهُ اجْتَمَعَ إِلَيَّ أَصْحَابُ الْمَقَالاتِ وَأَهْلُ الأَدْيَانِ وَالْمُتَكَلِّمُونَ مِنْ جَمِيعِ الْمِلَلِ فَرَأْيُكَ فِي الْبُكُورِ عَلَيْنَا إِنْ أَحْبَبْتَ كَلامَهُمْ وَإِنْ كَرِهْتَ ذَلِكَ فَلا تَتَجَشَّمْ وَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ نَصِيرَ إِلَيْكَ خَفَّ ذَلِكَ عَلَيْنَا فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ‏ عَلَيْهِ السَّلامُ: أَبْلِغْهُ السَّلامَ وَقُلْ لَهُ: قَدْ عَلِمْتُ مَا أَرَدْتَ وَأَنَا صَائِرٌ إِلَيْكَ بُكْرَةً إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.قَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّوْفَلِيُّ: فَلَمَّا مَضَى يَاسِرٌ الْتَفَتَ إِلَيْنَا، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا نَوْفَلِيُّ، أَنْتَ عِرَاقِيٌّ، وَرِقَّةُ الْعِرَاقِيِّ غَيْرُ غَلِيظَةٍ؛ فَمَا عِنْدَكَ فِي جَمْعِ ابْنِ عَمِّكَ عَلَيْنَا أَهْلَ الشِّرْكِ وَأَصْحَابَ الْمَقَالاتِ؟ فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، يُرِيدُ الامْتِحَانَ وَيُحِبُّ أَنْ يَعْرِفَ مَا عِنْدَكَ، وَلَقَدْ بَنَى عَلَى أَسَاسٍ غَيْرِ وَثِيقِ الْبُنْيَانِ، وَبِئْسَ وَاللَّهِ مَا بَنَى. فَقَالَ لِي: وَمَا بِنَاؤُهُ فِي هَذَا الْبَابِ؟ قُلْتُ: إِنَّ أَصْحَابَ الْكَلامِ وَالْبِدَعِ خِلافُ الْعُلَمَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَالِمَ لا يُنْكِرُ غَيْرَ الْمُنْكَرِ، وَأَصْحَابُ الْمَقَالاتِ وَالْمُتَكَلِّمُونَ وَأَهْلُ الشِّرْكِ أَصْحَابُ إِنْكَارٍ وَمُبَاهَتَةٍ؛ إِنِ احْتَجَجْتَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاحِدٌ، قَالُوا صَحِّحْ وَحْدَانِيَّتَهُ، وَإِنْ قُلْتَ إِنَّ مُحَمَّداً رَسُولُاللَّهِ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ قَالُوا ثَبِّتْ رِسَالَتَهُ ثُمَّ يُبَاهِتُونَ الرَّجُلَ وَهُوَيُبْطِلُ عَلَيْهِمْ بِحُجَّتِهِ وَيُغَالِطُونَهُ حَتَّى يَتْرُكَ قَوْلَهُ فَاحْذَرْهُمْ جُعِلْتُ فِدَاكَ. قَالَ: فَتَبَسَّمَ‏ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ قَالَ: يَا نَوْفَلِيُّ أَفَتَخَافُ أَنْ يَقْطَعُونِي عَلَى حُجَّتِي؟ قُلْتُ: لا وَاللَّهِ، مَا خِفْتُ عَلَيْكَ قَطُّ، وَإِنِّي لأرْجُو أَنْ يُظْفِرَكَ اللَّهُ بِهِمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَقَالَ لِي: يَا نَوْفَلِيُّ أَتُحِبُّ أَنْ تَعْلَمَ مَتَى يَنْدَمُ الْمَأْمُونُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: إِذَا سَمِعَ احْتِجَاجِي عَلَى أَهْلِ التَّوْرَاةِ بِتَوْرَاتِهِمْ، وَعَلَى أَهْلِ الإِنْجِيلِ بِإِنْجِيلِهِمْ، وَعَلَى أَهْلِ الزَّبُورِ بِزَبُورِهِمْ، وَعَلَى الصَّابِئِينَ بِعِبْرَانِيَّتِهِمْ، وَعَلَى أَهْلِ الْهَرَابِذَةِ بِفَارِسِيَّتِهِمْ، وَعَلَى أَهْلِ الرُّومِ بِرُومِيَّتِهِمْ، وَعَلَى أَصْحَابِ الْمَقَالاتِ بِلُغَاتِهِمْ. فَإِذَا قَطَعْتُ كُلَّ صِنْفٍ وَدَحَضْتُ حُجَّتَهُ، وَتَرَكَ مَقَالَتَهُ وَرَجَعَ إِلَى قَوْلِي، عَلِمَ الْمَأْمُونُ أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي هُوَ بِسَبِيلِهِ لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ لَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَكُونُ النَّدَامَةُ مِنْهُ. وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَتَانَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ فَقَالَ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، ابْنُ عَمِّكَ يَنْتَظِرُكَ، وَقَدِ اجْتَمَعَ الْقَوْمُ. فَمَا رَأْيُكَ فِي إِتْيَانِهِ؟ فَقَالَ لَهُ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلامُ: تَقَدَّمْنِي وَإِنِّي صَائِرٌ إِلَى نَاحِيَتِكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ وَشَرِبَ شَرْبَةَ سَوِيقٍ وَسَقَانَا مِنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى الْمَأْمُونِ. فَإِذَا الَْمجْلِسُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ فِي جَمَاعَةِ الطَّالِبِيِّينَ وَالْهَاشِمِيِّينَ، وَالْقُوَّادُ حُضُورٌ، فَلَمَّا دَخَلَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلامُ قَامَ الْمَأْمُونُ وَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَجَمِيعُ بَنِي هَاشِمٍ، فَمَا زَالُوا وُقُوفاً وَالرِّضَا عَلَيْهِ السَّلامُ جَالِسٌ مَعَ الْمَأْمُونِ حَتَّى أَمَرَهُمْ بِالْجُلُوسِ فَجَلَسُوا. فَلَـمْ يَزَلِ الْمَأْمُونُ مُقْبِـلاً عَلَيْهِ يُحَدِّثُهُ سَـاعَةً. ثُمَّ الْتَفَــتَ إِلَىالْجَاثَلِيقِ فَقَالَ: يَا جَاثَلِيقُ هَذَا ابْنُ عَمِّي عَلِيُّ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ وَهُوَمِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ بِنْتِ نَبِيِّنَا، وَابْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ‏ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأُحِبُّ أَنْ تُكَلِّمَهُ وَتُحَاجَّهُ وَتُنْصِفَهُ.فَقَالَ الْجَاثَلِيقُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ أُحَاجُّ رَجُلاً يَحْتَجُّ عَلَيَّ بِكِتَابٍ أَنَا مُنْكِرُهُ وَنَبِيٍّ لا أُومِنُ بِهِ؟فَقَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلامُ: يَا نَصْرَانِيُّ، فَإِنِ احْتَجَجْتُ عَلَيْكَ بِإِنْجِيلِكَ أَتُقِرُّ بِهِ؟قَالَ الْجَاثَلِيقُ: وَهَلْ أَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ مَا نَطَقَ بِهِ الإِنْجِيلُ؟ نَعَمْ وَاللَّهِ أُقِرُّ بِهِ عَلَى رَغْمِ أَنْفِي.فَقَالَ لَهُ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ، وَاسْمَعِ الجَوَابَ.فَقَالَ الجَاثْلِيقُ: مَا تَقُولُ فِي نُبُوَّةِ عِيسَى وَكِتَابِهِ؟ هَلْ تُنْكِرُ مِنْهُمَا شَيْئاً؟قَالَ الرِّضَا: اَنَا مُقِرٌّ بِنُبُوَّةِ عِيسَى وَكِتَابِهِ وَمَا بَشَّرَ بِهِ أُمَّتَهُ وَأَقَرَّتْ بِهِ الْحَوارِيُّونَ، وَكَافِرٌ بِنُبُوَّةِ كُلِّ عِيسَى لَمْ يُقِرَّ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَبِكِتَابِهِ وَلَمْ يُبَشِّرْ بِهِ أُمَّتَهُ.قَالَ الجَاثْلِيقُ: أَلَيْسَ إِنَّمَا نَقْطَعُ الأَحْكَامَ بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ؟قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ : بَلَى.قَالَ: فَأَقِمْ شَاهِدَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مِلَّتِكَ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ (صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) مِمَّنْ لاَ تُنْكِرُهُ النَّصْرَانِيَّةُ، وَسَلْنَا مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مِلَّتِنَا.قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلامُ: اَلآنَ جِئْتَ بِالنَّصَفَةِ يَا نَصْرَانِيُّ. اَلاَ تَقْبَلُ مِنِّي العَدْلَ المُقَدَّمَ عِنْدَ المَسِيحِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ؟قَالَ الجَاثْلِيقُ: وَمَنْ هَذا العَدْلُ؟ سَمِّهِ لِي.قَالَ: مَا تَقُولُ بِيُوحَنّا الدَّيْلَمِيِّ؟قَالَ: بَخٍ بَخٍ، ذَكَرْتَ أَحَبَّ النّاسِ إلى المَسِيحِ.قَالَ: فَأَقْسَمْتُ عَلَيْكَ هَلْ نَطَقَ الإنْجِيلُ أَنَّ يُوحَنّا قَالَ: إنمَّا المَسِيحُ أخْبَرَنِي بِدِينِ مُحَمَّدٍ العَرَبِيِّ وَبَشَّرَنِي بِهِ أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَعْدِهِ فَبَشَّرْتُ بِهِ الحَوَارِيِّينَ فَآمَنُوا بِهِ؟قَالَ الجَاثْلِيقُ: قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ يُوحَنّا عَنِ المَسِيحِ وَبَشَّرَ بِنُبُوَّةِ رَجُلٍ وَبِأَهْلِ بَيْتِهِ وَوَصِيِّهِ وَلَمْ يُلَخِّصْ مَتى يَكُونُ ذَلِكَ، وَلَمْ تُسَمَّ لَنَا القَوْمُ فَنَعْرِفَهُمْ.قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: فَإنْ جِئْنَاكَ بِمَنْ يَقْرَأُ الإنْجِيلَ فَتَلا عَلَيْكَ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَأُمَّتِهِ، أَتُؤْمِنُ بِهِ؟قَالَ: سَديداً.قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلامُ لِنَسْطاسَ الرُّومِيِّ: كَيْفَ حِفْظُكَ لِلسِّفْرِ الثّالِثِ مِنَ الإنْجِيلِ؟قَالَ: مَا أحْفَظَنِي لَهُ.ثُمَّ الْتَفَتَ إلى رَأسِ الجَالُوتِ فَقَالَ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الإنْجِيلَ؟ قَالَ: بَلَى لَعَمْرِي.قَالَ: فَخُذْ عَلَى السِّفْرِ، فَإنْ كَانَ فِيهِ ذِكْرُ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَأُمَّتِهِ فَاشْهَدوا لِي، وَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذِكْرُهُ فَلا تَشْهَدُوا لِي.ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ السِّفْرَ الثَّالِثَ، حَتّى إذَا بَلَغَ ذِكْرَ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَقَفَ ثُمَّ قَالَ: يَا نَصْرَانِيُّ إنّي أسْأَلُكَ بِحَقِّ المَسِيحِ وَأُمِّهِ، أَتَعْلَمُ أنّي عَالِمٌ بِالإنْجِيلِ؟ قَالَ: نَعَمْ.ثُمَّ تَلاَ عَلَيْنَا ذِكْرَ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَأُمَّتِهِ ثُمَّ قَالَ: مَا تَقُولُ يَا نَصْرَانِيُّ؟ هَذَا قَوْلُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَإنْ كَذَّبْتَ بِمَا يَنْطِقُ بِهِ الإنْجِيلُ فَقَدْ كَذَّبْتَ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلامُ، وَمَتى أَنْكَرْتَ هَذَا الذِّكْرَ وَجَبَ عَلَيْكَ القَتْلُ لأَنَّكَ تَكُونُ قَدْ كَفَرْتَ بِرَبِّكَ وَنَبِيِّكَ وَبِكِتَابِكَ.قَالَ الجَاثْلِيقُ: لا أُنْكِرُ مَا قَدْ بَانَ لِي فِي الإنْجِيلِ، وَإنّي لَمُقِرٌّ بِهِ.قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: إشْهَدُوا عَلَى إقْرَارِهِ. ثُمَّ قَالَ: يَا جَاثْلِيقُ، سَلْ عَمّا بَدا لَكَ.قَالَ الجَاثْلِيقُ: أخْبِرْنِي عَنْ حَوَارِيِّي عِيسَى بْنِ مَرَيْمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ؛ كَمْ كَانَ عِدَّتَهُمْ؟ وَعَنْ عُلَمَاءِ الإنْجِيلِ؛ كَمْ كَانوا؟قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ! أمّا الحَوَارِيُّونَ فَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً، وَكَانَ أَعْلَمَهُمْ وَأَفْضَلَهُمْ ألُوقَا. وَأمّا عُلَمَاءُ النَّصَارَى فَكَانوا ثَلاثَةَ رِجَالٍ: يُوحَنّا الأَكْبَرُ بِأَجّ، وَيُوحَنّا بِقِرْقِيسِيا، وَيُوحَنّا الدَّيْلَمِيَّ بِرَجَازَ. وَعِنْدَهُ كَانَ ذِكْرُ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَذِكْرُ أهْلِ بَيْتِهِ وَأُمَّتِهِ، وَهُوَ الَّذِي بَشَّرَ أُمَّةَ عِيسَى وَبَنِي إسْرَائِيلَ بِهِ.ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا نَصْرَانِيُّ، وَاللهِ إنّا لَنُؤْمِنُ بِعِيسَى الَّذِي آمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَمَا نَنْقِمُ عَلَى عِيساكُمْ شَيْئاً إلاّ ضَعْفَهُ وَقِلَةَ صِيامِهِ وَصَلاتِهِ.قَالَ الجَاثْلِيقُ: أفْسَدْتَ وَاللهِ عِلْمَكَ وَضَعَّفْتَ أمْرَكَ وَمَا كُنْتُ ظَنَنْتُ إلاّ أنَّكَ أعْلَمُ أهْلِ الإسْلاَمِ! قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟قَالَ الجَاثْلِيقُ: مِنْ قَوْلِكَ أنَّ عِيسَى كَانَ ضَعِيفاً قَلِيلَ الصِّيَامِ قَلِيلَ الصَّلاَةِ؛ وَمَا أفْطَرَ عِيسَى يَوماً قَطُّ وَلاَ نَامَ بِلَيْلٍ قَطُّ وَمَا زَالَ صَائِمَ الدَّهْرِ وَقَائِمَ اللَّيْلِ.قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: فَلِمَنْ كَانَ يَصُومُ وَيُصَلِّي؟! قَالَ: فَخَرِسَ الجَاثْلِيقُ وَانْقَطَعَ.قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: يَا نَصْرَانِيُّ، أَسْأَلُكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ. قَالَ: سَلْ؛ فَإنْ كَانَ عِنْدِي عِلْمُهَا أَجَبْتُكَ. قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: مَا أَنْكَرْتَ أنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَانَ يُحْيِي المَوْتَى بِإذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؟قَالَ الجَــاثْلِيقُ: أنْكَـرْتُ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أنَّ مَنْ أحْيَى المَوْتَى وَأبْرَأَ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ فَهُوَرَبٌّ مُسْتَحِقٌّ لأَنْ يُعْبَدَ.قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلامُ: فَإنَّ الْيَسَعَ قَدْ صَنَعَ مِثْلَ صُنْعِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ: مَشَى عَلَى المَاءِ وَأَحْيَى المَوْتَى وَأبْرَأَ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ، فَلَمْ تَتَّخِذْهُ أُمَّتُهُ رَبّاً، وَلَمْ يَعْبُدْهُ أَحَدٌ مِنْ دُونِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَلَقَدْ صَنَعَ حِزْقِيلُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مِثْلَ مَا صَنَعَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ فَأَحْيَا خَمْسَةً وَثَلاثِينَ ألْفِ رَجُلٍ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمْ بِسِتِّينَ سَنَةً.ثُمَّ الْتَفَتَ إلى رَأسِ الجَالُوتِ فَقَالَ لَهُ: يَا رَأسَ الجَالُوتِ، أَتَجِدُ هَؤُلاءِ فِي شَبَابِ بَنِي إسْرَائِيلَ فِي التَّوْرَاةِ؟ إخْتَارَهْمْ بُخْتْ نُصَّرَ مِنْ سَبْيِ بَنِي إسْرَائِيلِ حِينَ غَزا بَيْتَ المَقْدِسِ، ثُمَّ انْصَرَفَ بِهِمْ إلى بَابِلَ فَأَرْسَلَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إلَيْهِمْ فَأحْيَاهُمْ. هَذا فِي التَّوْرَاةِ لاَ يَدْفَعُهُ إلاّ كَافِرٌ مِنْكُمْ. قَالَ رَأسُ الجَالُوتِ: قَدْ سَمِعْنَا بِهِ وَعَرَفْنَاهُ. قَالَ: صَدَقْتَ.ثُمَّ قَالَ: يَا يَهُودِيُّ، خُذْ عَلَى هَذا السِّفْرِ مِنَ التَّوْرَاةِ.فَتَلاَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَلَيْنَا مِنَ التَّوْرَاةِ آيَاتٍ، فَأَقْبَلَ اليَهُودِيُّ يَتَرَجَّجُ لِقِرائَتِهِ وَيَتَعَجَّبُ! ثُمَّ أقْبَلَ عَلَى النَّصْرَانِيِّ فَقَالَ: يَا نَصْرَانِيُّ، أَفَهَؤُلاءِ كَانُوا قَبْلَ عِيسَى أَمْ عِيسَى كَانَ قَبْلَهُمْ؟قَالَ: بَلْ كَانُوا قَبْلَهُ.فَقَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: لَقَدِ اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فَسَأَلُوهُ أَنْ يُحْيِيَ لَهُمْ مَوْتَاهُمْ، فَوَجَّهَ مَعَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ لَهُ: إذْهَبْ إلى الجَبّانَةِ، فَنَادِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ الرَّهْطِ الَّذِينَ يَسْأَلُونَ عَنْهُمْ بِأَعْلَى صَوْتِكِ: يَا فُلانُ وَيَا فُلانُ وَيَا فُلانُ، يَقُولُ لَكُمْ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ (صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) قُومُوا بِإذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَقَامُوا يَنْفِضُونَ التُّرَابَ عَنْ رُؤوسِهِمْ. فَأَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ يَسْأَلُونَهُمْ عَنْ أُمُورِهِمْ. ثُمَّ أخْبَرُوهُمْ أَنَّ مُحَمَّداً بُعِثَ نَبِيّاً، فَقَالُوا: وَدِدْنَا أنّا أدْرَكْنَاهُ فَنُؤْمِنَ بِهِ. وَلَقَدْ أبْرَأَ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَالمَجَانِينَ، وَكَلَّمَهُ البَهَائِمُ وَالطَّيْرُ وَالجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ، وَلَمْ نَتَّخِذْهُ رَبّاً مِنْ دُونِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ،وَلَمْ نُنْكِرْ لأَحَدٍ مِنْ هَؤُلاءِ فَضْلَهُمْ. فَمَتى إتَّخَذْتُمْ عِيسَى رَبّاً جَازَ لَكُمْ أنْ تَتَّخِذُوا الْيَسَعَ وَحِزْقِيلَ رَبّاً، لأَنَّهُمَا قَدْ صَنَعَا مِثْلَ مَا صَنَعَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مِنْ إحْيَاءِ المَوْتَى وَغَيْرِهِ. وَإنَّ قَوْماً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ خَرَجُوا مِنْ بِلاَدِهِمْ مِنَ الطّاعُونِ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَأَمَاتَهُمُ اللهُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَعَمَدَ أَهْلُ تِلْكَ القَرْيَةِ فَحَظَرُوا عَلَيْهِمْ حَظِيرَةً فَلَمْ يَزالُوا فِيهَا حَتّى نَخِرَتْ عِظَامُهُمْ وَصَارُوا رَمِيماً. فَمَرَّ بِهِمْ نَبِيٌّ مِنْ أنْبِيَاءِ بَنِي إسْرَائِيلَ فَتَعَجَّبَ مِنْهُمْ وَمِنْ كَثْرَةِ العِظَامِ الْبَالِيَةِ، فَأَوْحَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إلَيْهِ: أَتُحِبُّ أَنْ أُحْيِيَهُمْ لَكَ فَتُنْذِرَهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَبِّ.فَأَوْحَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إلَيْهِ أنْ نَادِهِمْ. فَقَالَ: أيَّتُهَا العِظَامُ البَالِيَةُ، قُومِي بِإذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَقَامُوا أحْيَاءَ أجْمَعِينَ يَنْفُضُونَ التُّرَابَ عَنْ رُؤوسِهِمْ.ثُمَّ إنَّ إبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ حِينَ أخَذَ الطَّيْرَ فَقَطَّعَهُنَّ قِطَعاً، ثُمَّ وَضَعَ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً، ثُمَّ نَادَاهُنَّ فَأَقْبَلْنَ سَعْياً إلَيْهِ.ثُمَّ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَأصْحَابُهُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ؛ صَارُوا مَعَهُ إلى الجَبَلِ فَقَالُوا لَهُ: إنَّكَ قَدْ رَأَيْتَ اللهَ سُبْحَانُهُ، فَأَرِنَاهُ كَمَا رَأَيْتَهُ! فَقَالَ لَهُمْ: إنّي لَمْ أَرَهُ.فَقَالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً. فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ فَاحْتَرَقوا عَنْ آخِرِهِمْ، وَبَقِيَ مُوسَى وَحِيداً فَقَالَ: يَا رَبِّ إخْتَرْتُ سَبْعِينَ رَجُلاً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ فَجِئْتُ بِهِمْ وَأرْجَعُ وَحْدِي! فَكَيْفَ يُصَدِّقُنِي قَوْمِي بِمَا أُخْبِرُهُمْ بِهِ؟ فَلَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإيَّايَ. أتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنّا؟ فَأحْيَاهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمْ.وَكُلَّ شَيْءٍ ذَكَرْتُهُ لَكَ مِنْ هَذا لا تَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ، لأَنَّ التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَالفُرْقَانَ قَدْ نَطَقَتْ بِهِ, فَإنْ كَانَ كُلُّ مَنْ أحْيَى المَوْتَى وَأبْرَأَ الأَكْمَهَ وَالأبْرَصَ وَالمَجَانِينَ يُتَّخَذُ رَبّاً مِنْ دُونِ اللهِ فَاتَّخِذْ هَؤُلاءِ كُلَّهُمْ أرْباباً! مَا تَقُولُ يَا نَصْرَانِيُّ؟فَقَالَ الجَاثْلِيقُ: اَلقَوْلُ قَوْلُكَ، وَلا إلَهَ إلاّ اللهُ.ثُمَّ الْتَفَتَ إلى رَأسِ الجَالُوتِ فَقَالَ: يَا يَهُودِيُّ، أقْبِلْ عَلَيَّ أسْأَلْكَ بِالعَشْرَةِ الآيَاتِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ. هَلْ تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوباً بِنَبَأِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَأُمَّتِهِ: إذَا جَاءَتِ الأُمَّةُ الأَخِيرَةُ أتْبَاعُ رَاكِبِ البَعِيرِ يُسَبِّحُونَ الرَّبَّ جِدّاً جِدّاً تَسْبِيحاً جَدِيداً فِي الكَنَائِسِ الجُدُدِ، فَلْيَفْزَعْ بَنُو إسْرَائِيلَ إلَيْهِمْ وَإلى مَلِكِهِمْ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهُمْ فَإنَّ بِأيْدِيهِمْ سُيُوفاً يَنْتَقِمُونَ بِها مِنَ الأُمَمِ الكَافِرَةِ فِي أقْطَارِ الأَرْضِ. أهَكَذا هُوَ فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبٌ؟ قَالَ رَأسُ الجَالُوتِ: نَعَمْ! إنَّا لَنَجِدُهُ كَذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ لِلْجَاثْلِيقِ: يَا نَصْرَانِيُّ! كَيْفَ عِلْمُكَ بِكِتَابِ شَعْيا عَلَيْهِ السَّلاَمُ؟ قَالَ: أعْرِفُهُ حَرْفاً حَرْفاً.قَالَ لَهُمَا: أتَعْرِفَانِ هَذا مِنْ كَلامِهِ يَا قَوْمُ: إنّي رَأَيْتُ صُورَةَ رَاكِبِ الحِمَارِ لابِساً جَلابِيبَ النُّورِ، وَرَأيْتُ رَاكِبَ البَعِيرِ ضَوؤهُ مِثْلَ ضَوْءِ القَمَرِ؟ فَقَالا: قَدْ قَالَ ذَلِكَ شَعْيا عَلَيْهِ السَّلاَمُ.قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: يَا نَصْرَانِيُّ، هَلْ تَعْرِفُ فِي الإنْجِيلِ قَوْلَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ: إنّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّكُمْ وَرَبّي، وَالبَارْقَلِيطا جَاءَ هُوَ الَّذِي يَشْهَدُ لِي بِالحَقِّ كَمَا شَهِدْتُ، وَهُوَ الَّذِي يُفَسِّرُ لَكُمْ كُلَّ شَيءٍ، وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ فَضَائِحَ الأُمَمِ، وَهُوَ الَّذِي يَكْسِرُ عَمُودَ الكُفْرِ؟فَقَالَ الجَاثْلِيقُ: مَا ذَكَرْتَ شَيْئاً مِنَ الإنْجِيلِ إلاّ وَنَحْنُ مُقِرُّونَ بِهِ.فَقَالَ: أتَجِدُ هَذا الإنْجِيلَ ثَابِتاً يَا جَاثْلِيقُ؟ قَالَ: نَعَمْ.قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: يَا جَاثْلِيقُ، ألاَ تُخْبِرُنِي عَنِ الإنْجِيلِ الأَوَّلِ حِينَ افْتَقَدْتُمُوهُ عِنْدَ مَنْ وَجَدْتُمُوهُ، وَمَنْ وَضَعَ لَكُمْ هَذا الإنْجِيلَ؟فَقَالَ لَهُ: مَا افْتَقَدْنَا الإنْجِيلَ إلاّ يَوْماً وَاحِداً حَتّى وَجَدْنَاهُ غَضّاً طَرِيّاً، فَأَخْرَجَهُ إلَيْنَا يُوحَنّا وَمَتّى. فَقَالَ لَهُ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: مَا أَقَلَّ مَعْرِفَتَكَ بِسُنَنِ الإنْجِيلِ وَعُلَمَائِهِ! فَإنْ كَانَ هَذا كَمَا تَزْعُمُ، فَلِمَ اخْتَلَفْتُمْ فِي الإنْجِيلِ؟ وَإنَّمــا وَقَـعَ الاخْتِلافُ فِي هَذا الإنْجِيلِ الَّذِي فِيأيَادِيكُمُ الْيَوْمَ. فَلَوْ كَانَ عَلَى الْعَهْدِ الأَوَّلِ لَمْ تَخْتَلِفُوا فِيهِ، وَلَكِنِّي مُفِيدُكَ عِلْمَ ذَلِكَ؛ إعْلَمْ أنَّهُ لَمَّا افْتُقِدَ الإنْجِيلُ الأَوَّلُ اجْتَمَعَتِ النَّصَارَى إلى عُلَمَائِهِمْ فَقَالُوا لَهُمْ: قُتِلَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَافْتَقَدْنَا الإنْجِيلَ وَأنْتُمُ العُلَمَاءُ، فَمَا عِنْدَكُمْ؟فَقَالَ لَهُمْ أَلُوقَا وَمَرْقَابُوسُ: إنَّ الإنْجِيلَ فِي صُدُورِنَا وَنَحْنُ نُخْرِجُهُ إلَيْكُمْ سِفْراً سِفْراً فِي كُلِّ أَحَدٍ، فَلا تَحْزَنُوا عَلَيْهِ، وَلا تُخْلُوا الكَنَائِسَ، فَإنّا سَنَتْلُوهُ عَلَيْكُمْ فِي كُلِّ أَحَدٍ سِفْراً سِفْراً حَتّى نَجْمَعَهُ كُلَّهُ. فَقَعَدَ أَلُوقَا وَمَرْقَابُوسُ وَيُوحَنّا وَمَتّى فَوَضَعُوا لَكُمْ هَذا الإنْجِيلَ بَعْدَ مَا افْتَقَدْتُمُ الإنْجِيلَ الأَوَّلَ. وَإنَّما كَانَ هَؤلاءِ الأَرَبَعَةُ تَلامِيذَ تَلامِيذِ الأَوَّلِينَ. أعَلِمْتَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ الجَاثْلِيقُ: أمّا هَذا فَلَمْ أعْلَمْهُ، وَقَدْ عَلِمْتُهُ الآنَ، وَبَانَ لِي مِنْ فَضْلِ عِلْمِكَ بِالإنْجِيلِ وَسَمِعْتُ أشْيَاءَ مِمّا عَلِمْتُهُ، شَهِدَ قَلْبِي أنَّها حَقٌّ فَاسْتَزَدْتُ كَثِيراً مِنَ الفَهْمِ.فَقَالَ لَهُ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ : فَكَيْفَ شَهَادَةُ هَؤلاءِ عِنْدَكَ؟قَالَ: جَائِزَةٌ! هَؤلاءِ عُلَمَاءُ الإنْجِيلِ، وَكُلُّ مَا شَهِدُوا بِهِ فَهُوَ حَقٌّ.قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ لِلْمَأمُونِ وَمَنْ حَضَرَهُ مِنْ أهْلِ بَيْتِهِ وَمِنْ غَيْرِهِ: إشْهَدُوا عَلَيْهِ.قَالوا: قَدْ شَهِدْنَا.ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لِلْجَاثْلِيقِ: بِحَقِّ الابْنِ وَأُمِّهِ، هَلْ تَعْلَمُ أنَّ مَتّى قَالَ إنَّ الْمَسِيحَ هُوَ ابْنُ دَاوُودَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ إسْحَاقَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ يَهُوذا بْنِ خَضْرونَ؟ وَقَالَ مَرْقَابُوسُ فِي نَسَبِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إنَّهُ كَلِمَةُ اللهِ أَحَلَّهَا فِي جَسَدِ الآدَمِيِّ فَصَارَتْ إنْساناً. وَقَالَ ألُوقَا إنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَأُمَّهُ كَانا إنْسَانَيْنِ مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ، فَدَخَلَ فِيهَا الرُّوحُ القُدُسُ. ثُمَّ إنَّكَ تَقُولُ مِنْ شَهَادَةِ عِيسَى عَلَى نَفْسِهِ: حَقّاً أقُولُ لَكُمْ يَا مَعْشَرَ الحَوَارِيِّينَ: إنَّهُ لاَ يَصْعَدُ إلى السَّمَاءِ إلاّ مَنْ نَزَلَ مِنْهَا إلاّ رَاكِبَ البَعِيرِ خَاتَمَ الأنْبِيَاءِ، فَإنَّهُ يَصْعَدُ إلى السَّمَاءِ وَيَنْزِلُ. فَمَا تَقُولُ فِي هَذا القَوْلِ؟قَالَ الجَاثْلِيقُ: هَذا قَوْلُ عِيسَى لاَ نُنْكِرُهُ.قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: فَمَا تَقُولُ فِي شَهَادَةِ ألُوقا وَمَرْقَابُوسَ وَمتّى عَلَى عِيسَى وَمَا نَسَبُوهُ إلَيْهِ؟قَالَ الجَاثْلِيقُ: كَذَبوا عَلَى عِيسَى.فَقَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: يَا قَوْمُ، ألَيْسَ قَدْ زَكَّاهُمْ وَشَهِدَ أنَّهُمْ عُلَمَاءُ الإنْجِيلِ وَقَوْلَهُمْ حَقٌّ.فَقَالَ الجَاثْلِيقُ: يَا عَالِمَ المُسْلِمِينَ، أُحِبُّ أنْ تَعْفِيَنِي مِنْ أمْرِ هَؤلاءِ.قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: فَإنّا قَدْ فَعَلْنَا. سَلْ يَا نَصْرَانِيُّ عَمّا بَدَا لَكَ.قَالَ الجَاثْلِيقُ: لِيَسْألْكَ غَيْرِي، فَلا وَحَقِّ الْمَسِيحِ مَا ظَنَنْتُ أَنَّ فِي عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَكَ.فَالْتَفَتَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلامُ إِلَى رَأْسِ الْجَالُوتِ فَقَالَ لَهُ: تَسْأَلُنِي أوْ أسْأَلُكَ؟فَقَالَ: بَلْ أسْأَلُكَ، وَلَسْتُ أقْبَلُ مِنْكَ حُجَّةً إلاّ مِنَ التَّوْرَاةِ أوْ مِنَ الإنْجِيلِ أوْ مِنْ زَبُورِ دَاوُودَ أوْ بِمَا فِي صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى.قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: لاَ تَقْبَلْ مِنّي حُجَّةً إلاّ بِمَا تَنْطِقُ بِهِ التَّوْرَاةُ عَلَى لِسَانِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَالإنْجِيلُ عَلَى لِسَانِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، وَالزَّبُورُ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ.فَقَالَ رَأسُ الجَالُوتِ: مِنْ أيْنَ تُثْبِتُ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)؟قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: شَهِدَ بِنُبُوَّتِهِ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَعِيسَى بْنُ مَرْيَمَ وَدَاوُودُ خَلِيفَةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الأرْضِ. فَقَالَ لَهُ: ثَبِّتْ قَوْلَ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ.فَقَالَ لَهُ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: هَلْ تَعْلَمُ يَا يَهُودِيُّ أنَّ مُوسَى أوْصَى بَنِي إسْرَائِيلَ فَقَالَ لَهُمْ: إنَّهُ سَيَأتِيكُمْ نَبِيٌّ مِنْ إخْوَانِكُمْ. بِهِ فَصَدِّقُوا وَمِنْهُ فَاسْمَعُوا. فَهَلْ تَعْلَمُ أنَّ لِبَنِي إسْرَائِيلَ إخْوَةً غَيْرَ وُلْدِ إسْمَاعِيلَ إنْ كُنْتَ تَعْرِفُ قَرَابَةَ إسْرَائِيلَ مِنْ إسْمَاعِيلَ وَالسَّبَبَ الَّذِي بَيْنَهُمَامِنْ قِبَلِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ؟ فَقَالَ رَأسُ الجَالُوتِ: هَذا قَوْلُ مُوسَى لاَ نَدْفَعُهُ. فَقَالَ لَهُ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ إخْوَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ نَبِيٌّ غَيْرُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ؟ قَالَ: لاَ. قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: أوَلَيْسَ قَدْ صَحَّ هَذا عِنْدَكُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَلَكِنِّي أُحِبُّ أنْ تُصَحِّحَهُ إلَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ. فَقَالَ لَهُ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: هَلْ تُنْكِرُ أنَّ التَّوْرَاةَ تَقُولُ لَكُمْ: جَاءَ النُّورُ مِنْ قِبَلِ طُورِ سَيْنَاءَ، وَأضَاءَ لَنَا مِنْ جَبَلِ سَاعِيرَ، وَاسْتَعْلَنَ عَلَيْنَا مِنْ جَبَلِ فَارَانَ؟ قَالَ رَأسُ الجَالُوتِ: أعْرِفُ هَذِهِ الكَلِمَاتِ وَمَا أعْرِفُ تَفْسِيرَهَا.قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: أنَا أُخْبِرُكَ بِهِ: أمَّا قَوْلُهُ: جَاءَ النُّورُ مِنْ قِبَلِ طُورِ سَيْنَاءَ، فَذَلِكَ وَحْيُ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَى جَبَلِ طُورِ سَيْنَاءَ. وَأمَّا قَوْلُهُ: وَأضَاءَ لَنَا مِنْ جَبَلِ سَاعِيرَ، فَهُوَ الجَبَلُ الَّذِي أوْحَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إلى عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَهُوَ عَلَيْهِ. وَأمَّا قَوْلُهُ: وَاسْتَعْلَنَ عَلَيْنَا مِنْ جَبَلِ فَارَانَ، فَذَلِكَ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ مَكَّةَ، بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا يَوْمٌ.وَقَالَ شَعْيَاءُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فِي مَا تَقُولُ أنْتَ وَأصْحَابُكَ فِي التَّوْرَاةِ: رَأَيْتُ رَاكِبَيْنِ أضَاءَتْ لَهُمُ الأَرْضُ؛ أَحَدُهُمَا عَلَى حِمَارٍ وَالآخَرُ عَلَى جَمَلٍ. فَمَنْ رَاكِبُ الحِمَارِ وَمَنْ رَاكِبُ الجَمَلِ؟ قَالَ رَأسُ الجَالُوتِ: لا أعْرِفُهُمَا، فَخَبِّرْنِي بِهِمَا. قَالَ: أمَّا رَاكِبُ الحِمَارِ فَعِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَأمَّا رَاكِبُ الجَمَلِ فَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ. أتُنْكِرُ هَذَا مِنَ التَّوْرَاةِ؟ قَالَ: لا، مَا أُنْكِرُهُ. ثُمَّ قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: هَلْ تَعْرِفُ حَيْقُوقَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ؟قَالَ: نَعَمْ، إنّي بِهِ لَعَارِفٌ.قَالَ: فَإنَّهُ قَالَ، وَكِتَابُكُمْ يَنْطِقُ بِهِ: جَاءَ اللهُ تَعَالى بِالبَيَانِ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ، وَامْتَلأَتِ السَّمَاوَاتُ مِنْ تَسْبِيحِ أحْمَدَ وَأُمَّتِهِ. يَحْمِلُ خَيْلَهُ فِي البَحْرِ كَمَا يَحْمِلُ فِي البَرِّ، يَأتِينَا بِكِتَابٍ جَدِيدٍ بَعْدَ خَرَابِ بَيْتِ المَقْدِسِ. يَعْنِي بِالكِتَابِ، الفُرْقَانَ. أتَعْرِفُ هَذَا وَتُؤْمِنُ بِهِ؟قَالَ رَأسُ الجَالُوتِ: قَدْ قَالَ ذَلِكَ حَيْقُوقُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَلا نُنْكِرُ قَوْلَهُ.قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: فَقَدْ قَالَ دَاوُودُ فِي زَبُورِهِ، وَأنْتَ تَقْرَأُهُ: اَللَّهُمَّ ابْعَثْ مُقِيمَ السُّنَّةِ بَعْدَ الفَتْرَةِ. فَهَلْ تَعْرِفُ نِبِيّاً أقَامَ السُّنَّةَ بَعْدَ الْفَتْرَةِ غَيْرَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ؟قَالَ رَأسُ الجَالُوتِ: هَذَا قَوْلُ دَاوُودَ نَعْرِفُهُ وَلا نُنْكِرُ، وَلكِنْ عَنِيَ بِذَلِكَ عِيسَى، وَأيَّامُهُ هِيَ الْفَتْرَةُ. قَالَ لَهُ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: جَهِلْتَ! إنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَمْ يُخَالِفِ السُّنَّةَ، وَكَانَ مُوافِقاً لِسُنَّةِ التَّوْرَاةِ حَتّى رَفَعَهُ اللهُ إلَيْهِ. وَفِي الإنْجِيلِ مَكْتُوبٌ: إنَّ ابْنَ البَرَّةِ ذَاهِبٌ، وَالبَارْقَلِيطا جَاءَ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَحْفَظُ الآصَارَ، وَيُفَسِّرُ لَكُمْ كُلَّ شَيءٍ، وَيَشْهَدُ لِي كَمَا شَهِدْتُ لَهُ. أنَا جِئْتُكُمْ بِالأمْثَالِ وَهُوَ يَأتِيكُمْ بِالتَّأوِيلِ. أَتُؤْمِنُ بِهَذا فِي الإنْجِيلِ؟قَالَ: نَعَمْ.فَقَالَ لَهُ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: يَا رَأسَ الجَالُوتِ، أسْأَلُكَ عَنْ نَبِيِّكَ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ. فَقَالَ: سَلْ. قَالَ: مَا الحُجَّةُ عَلَى أنَّ مُوسَى ثَبُتَتْ نُبُوَّتُهُ؟قَالَ اليَهُودِيُّ: إنَّهُ جَاءَ بِمَا لَمْ يَجِئْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الأنْبِيَاءِ قَبْلَهُ.قَالَ لَهُ: مِثْلُ مَاذا؟قَالَ: مِثْلُ فَلْقِ البَحْرِ، وَقَلْبِهِ العَصَا حَيَّةً تَسْعَى، وَضَرْبِهِ الحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ العُيُونُ، وَإخْراجِهِ يَدَهُ بَيْضَاءَ لِلنّاظِرِينَ. وَعَلامَاتُهُ لاَ يَقْدِرُ الخَلْقُ عَلَى مِثْلِهَا.قَالَ لَهُ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: صَدَقْتَ فِي أنَّهُ كَانَتْ حُجَّتَهُ عَلَى نُبُوَّتِهِ أنَّهُ جَاءَ بِمَا لاَ يَقْدِرُ الخَلْقُ عَلَى مِثْلِهِ. أفَلَيْسَ كُلُّ مَنِ ادَّعَى أنَّهُ نَبِيٌّ ثُمَّ جَاءَ بِمَا لاَ يَقْدِرُ الخَلْقُ عَلَى مِثْلِهِ وَجَبَ عَلَيْكُمْ تَصْدِيقُهُ؟قَالَ: لاَ. لأنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظِيرٌ، لِمَكَانِهِ مِنْ رَبِّهِ وَقُرْبِهِ مِنْهُ. وَلاَ يَجِبُ عَلَيْنَا الإقْرَارُ بِنُبُوَّةِ مَنِ ادَّعَاهَا حَتّى يَأتِيَ مِنَ الأعْلامِ بِمِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ مَوسَى.فَقَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: فَكَيْفَ أقْرَرْتُمْ بِالأنْبِيَاءِ الَّذِينَ كَانوا قَبْلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَلَمْيَفْلُقُوا البَحْرَ وَلَمْ يُفَجِّرُوا مِنَ الحَجَرِ اثْنَي عَشَرَةَ عَيْناً وَلَمْ يُخْرِجُوا أيْدِيَهُمْ مِثْلَ إخْرَاجِ مُوسَى يَدَهُ بَيْضَاءَ وَلَمْ يَقْلِبُوا العَصَا حَيَّةً تَسْعَى؟قَالَ اليَهُودِيُّ: قَدْ خَبَّرْتُكَ أنَّهُ مَتَى مَا جَاؤوا عَلَى نُبُوَّتِهِمْ مِنَ الآيَاتِ بِمَا لاَ يَقْدِرُ الخَلْقُ عَلَى مِثْلِهِ، وَلَوْ جَاؤوا بِمَا يَجِئُ بِهِ مُوسَى أوْ كَانَ عَلَى غَيْرِ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى وَجَبَ تَصْدِيقُهُمْ.قَالَ لَهُ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: يَا رَأسَ الجَالُوتِ، فَمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الإقْرَارِ بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وَقَدْ كَانَ يُحْيِي المَوْتَى وَيُبْرِءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَيَخْلُقُ مِنَ الطِّينَ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإذْنِ اللهِ تَعَالى؟قَالَ رَأسُ الجَالُوتِ: يُقَالُ إنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ، وَلَمْ نَشْهَدْهُ!قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: أرَأَيْتَ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى مِنَ الآيَاتِ؟ أشَاهَدْتَهُ؟ ألَيْسَ إنَّمَا جَاءَتِ الأخْبَارُ مِنْ ثِقَاتِ أصْحَابِ مُوسَى أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: بَلَى.قَالَ: فَكَذلِكَ أيْضاً. أتَتْكُمُ الأخْبَارُ المُتَوَاتِرَةُ بِمَا فَعَلَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ. فَكَيْفَ صَدَّقْتُمْ بِمُوسَى وَلَمْ تُصَدِّقوا بِعِيسَى؟فَلَمْ يَحْرَ جَواباً. قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: وَكَذلِكَ أمْرُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ، وَأَمْرُ كُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ. وَمِنْ آيَاتِهِ أنَّهُ كَانَ يَتِيماً فَقِيراً رَاعِياً أجِيراً، لَمْ يَتَعَلَّمْ كِتَاباً وَلَمْ يَخْتَلِفْ إلَى مُعَلِّمٍ. ثُمَّ جَاءَ بِالقُرْآنِ الَّذِي فِيهِ قَصَصُ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ وَأخْبَارُهُمْ حَرْفاً حَرْفاً، وَأخْبَارُ مَنْ مَضَى وَمَنْ بَقِيَ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ. ثُمَّ كَانَ يُخْبِرُهُمْ بِأَسْرَارِهِمْ وَمَا يَعْمَلُونَ فِي بُيُوتِهِمْ، وَجَاءَ بِآيَاتٍ كَثِيرَةٍ لاَ تُحْصَى.قَالَ رَأسُ الجَالُوتِ: لَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا خَبَرُ عِيسَى وَلا خَبَرُ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ). وَلاَ يَجُوزُ لَنَا أنْ نُقِرَّ لَهُمَا بِمَا لاَ يَصِحُّ.قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: فَالشَّاهِدُ الَّذِي شَهِدَ لِعِيسَى وَلِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ شَاهِدُ زُورٍ! فَلَمْ يَحْرَ جَوَاباً. ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِالْهِرْبِذِ الأكْبَرِ، فَقَالَ لَهُ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: أخْبِرْنِي عَنْ زُرَدِهشْتَ الَّذِي تَزْعَمُ أنَّهُ نَبِيٌّ؛ مَا حُجَّتُكَ عَلَى نُبُوَّتِهِ؟قَالَ: إنَّهُ أتَى بِمَا لَمْ يَأتِنَا أَحَدٌ قَبْلَهُ وَلَمْ نَشْهَدْهُ، وَلكِنَّ الأخْبَارَ مِنْ أسْلاَفِنَا وَرَدَتْ عَلَيْنَا بِأنَّهُ أَحَلَّ لَنَا مَا لَمْ يُحِلَّهُ غَيْرُهُ فَاتَّبَعْنَاهُ. قَالَ: أفَلَيْسَ إنَّمَا أَتَتْكُمُ الأخْبَارُ فَاتَّبَعْتُمُوهُ؟قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَكَذلِكَ سَائِرَ الأُمَمِ السَّالِفَةِ؛ أَتَتْهُمُ الأخْبَارُ بِمَا أتَى بِهِ النَّبِيُّونَ وَأتَى بِهِ مُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ. فَمَا عُذْرُكُمْ فِي تَرْكِ الإقْرَارِ لَهُمْ، إذْ كُنْتُمْ إنَّمَا أقْرَرْتُمْ بِزُرَدِهشِتَ مِنْ قِبَلِ الأَخْبَارِ المُتَوَاتِرَةِ بِأنَّهُ جَاءَ بِمَا لَمْ يَجِئْ بِهِ غَيْرُهُ؟فَانْقَطَعَ الْهِرْبِذُ مَكَانَهُ. فَقَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: يَا قَوْمُ، إنْ كَانَ فِيكُمْ أَحَدٌ يُخَالِفُ الإِسْلامَ وَأَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ فَلْيَسْأَلْ غَيْرَ مُحْتَشِمٍ.فَقَامَ إِلَيْهِ عِمْرَانُ الصَّابِي، وَكَانَ وَاحِداً فِي الْمُتَكَلِّمِينَ فَقَالَ: يَا عَالِمَ النَّاسِ، لَوْ لا أَنَّكَ دَعَوْتَ إِلَى مَسْأَلَتِكَ لَمْ أُقْدِمْ عَلَيْكَ بِالْمَسَائِلِ، فَلَقَدْ دَخَلْتُ الْكُوفَةَ وَالْبَصْرَةَ وَالشَّامَ وَالْجَزِيرَةَ وَلَقِيتُ الْمُتَكَلِّمِينَ فَلَمْ أَقَعْ عَلَى أَحَدٍ يُثْبِتُ لِي وَاحِداً لَيْسَ غَيْرُهُ قَائِماً بِوَحْدَانِيَّتِهِ، أَفَتَأْذَنُ أَنْ أَسْأَلَكَ؟قَالَ الرِّضَا: إِنْ كَانَ فِي الْجَمَاعَةِ عِمْرَانُ الصَّابِي فَأَنْتَ هُوَ. قَالَ: أَنَا هُوَ.قَالَ: سَلْ يَا عِمْرَانُ، وَعَلَيْكَ بِالنَّصَفَةِ، وَإِيَّاكَ وَالْخَطَلَ وَالْجَوْرَ.فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا سَيِّدِي مَا أُرِيدُ إِلا أَنْ تُثْبِتَ لِي شَيْئاً أَتَعَلَّقُ بِهِ فَلا أَجُوزُهُ. قَالَ: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ. فَازْدَحَمَ النَّاسُ وَانْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ.فَقَالَ عِمْرَانُ الصَّابِيُّ: أخْبِرْنِي عَنِ الكَائِنِ الأَوَّلِ وَعَمَّا خَلَقَ.فَقَالَ لَهُ: سَأَلْتَ فَافْهَمْ. أمَّا الْوَاحِدُ فَلَمْ يَزَلْ وَاحِداً كَائِناً لاَ شَيءَ مَعَهُ بِلاَ حُدِودٍ وَأعْرَاضٍ،وَلاَ يَزَالُ كَذلِكَ، ثُمَّ خَلَقَ خَلْقاً مُبْتَدِعاً مُخْتَلِفاً بِأعْرَاضٍ وَحُدُودٍ مُخْتَلِفَةٍ، لاَ فِي شَيءٍ أقَامَهُ وَلاَ فِي شيءٍ حَدَّهُ وَلاَ عَلَى شَيءٍ حَذَاهُ وَمَثَّلَهُ لَهُ. فَجَعَلَ الْخَلْقَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ صَفْوَةً وَغَيْرَ صَفْوَةٍ وَاخْتِلاَفاً وَائْتِلاَفاً وَألْوَاناً وَذَوْقاً وَطَعْماً، لا لِحَاجَةٍ كَانَتْ مِنْهُ إلى ذَلِكَ وَلا لِفَضْلِ مَنْزِلَةٍ لَمْ يَبْلُغْهَا إلاَّ بِهِ، وَلا أرَى لِنَفْسِهِ فِيمَا خَلَقَ زِيَادَةً وَلا نُقْصَاناً. تَعْقِلُ هَذا يَا عِمْرَانُ؟قَالَ: نَعَمْ وَ اللهِ يَا سَيِّدِي.قَالَ: وَاعْلَمْ يَا عِمْرَانُ أنَّهُ لَوْ كَانَ خَلَقَ مَا خَلَقَ لِحَاجَةٍ لَمْ يَخْلُقْ إلاَّ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى حَاجَتِهِ، وَلَكَانَ يَنْبَغِي أنْ يَخْلُقَ أضْعَافَ مَا خَلَقَ لأَنَّ الأَعْوَانَ كُلَّمَا كَثُرُوا كَانَ صَاحِبُهُمْ أقْوَى. وَالحَاجَةُ يَا عِمْرَانُ لاَ يَسَعُهَا لأنَّهُ كَانَ لَمْ يُحْدِثْ مِنَ الخَلْقِ شَيْئاً إلاّ حَدَثَتْ بِهِ حَاجَةٌ أُخْرَى. وَلِذَلِكَ أقُولُ: لَمْ يَخْلُقِ الخَلْقَ لِحَاجَةٍ وَلكِنْ نَقَلَ بِالخَلْقِ الحَوَائِجَ بَعْضَهُمْ إلى بَعْضٍ، وَفَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِلاَ حَاجَةٍ مِنْهُ إلى فَضْلٍ وَلاَ نِقْمَةٍ مِنْهُ عَلَى مَنْ أذَلَّ. فَلِهذَا خَلَقَ.قَالَ عِمْرَانُ: يَا سَيِّدِي، هَلْ كَانَ الكَائِنُ مَعْلُوماً فِي نَفْسِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ؟قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: إنَّما يَكُونُ المَعْلَمَةُ بِالشَّيءِ لِنَفْيِ خِلاَفِهِ وَلِيَكُونَ الشَّيءُ نَفْسُهُ بِمَا نُفِيَ عَنْهُ مَوْجُوداً، وَلَمْ يَكُنْ هُناكَ شَيءٌ يُخَالِفُهُ فَتَدْعُوهُ الحَاجَةُ إلى نَفْيِ ذَلِكَ الشَّيءِ عَنْ نَفْسِهِ بِتَحْدِيدِ مَا عَلِمَ مِنْهَا. أفَهِمْتَ يَا عِمْرَانُ؟قَالَ: نَعَمْ وَاللهِ. سَيِّدِي فَأخْبِرْنِي بِأيِّ شَيءٍ عَلِمَ مَا عَلِمَ. أبِضَمِيرٍ أمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ؟قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: أرَأَيْتَ إذَا عَلِمَ بِضَمِيرٍ هَلْ يَجِدُ بُدّاً مِنْ أنْ يَجْعَلَ لِذَلِكَ الضَّمِيرِ حَدّاً تَنْتَهِي إلَيْهِ المَعْرِفَةُ؟ قَالَ عِمْرَانُ: لاَ بُدَّ مِنْ ذَلِكَ.قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: فَمَا ذَلِكَ الضَّمِيرُ؟ فَانْقَطَعَ وَلَمْ يَحْرَ جَوَاباً.قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: لا بَأسَ إنْ سَأَلْتُكَ عَنِ الضَّمِيرِ نَفْسِهِ، تَعْرِفُهُ بِضَمِيرٍ آخَرَ؟ فَإنْ قُلْتَ نَعَمْ، أفْسَدْتَ عَلَيْكَ قَوْلَكَ وَدَعْوَاكَ يَا عِمْرَانُ. ألَيْسَ يَنْبَغِي أنْ تَعْلَمَ أنَّ الوَاحِدَ لَيْسَ يُوصَفُ بِضَمِيرٍ وَلَيْسَ يُقَالُ لَهُ أكْثَرَ مِنْ فِعْلٍ وَعَمَلٍ وَصُنْعٍ، وَلَيْسَ يُتَوَهَّمُ مِنْهُ مَذاهِبُ وَتَجْزِيَةٍ كَمَذَاهِبِ المَخْلُوقِينَ وَتَجْزِيَتِهِمْ؟ فَاعْقِلْ ذَلِكَ وَابْنِ عَلَيْهِ مَا عَلِمْتَ صَواباً.قَالَ عِمْرَانُ: يَا سَيِّدِي، ألاَ تُخْبِرُنِي حُدُودَ خَلْقِهِ كَيْفَ هِيَ؟ وَمَا مَعَانِيهَا؟ وَعَلَى كَمْ نَوْعٍ يَكُونُ؟قَالَ: قَدْ سَأَلْتَ فَاعْلَمْ أنَّ حُدُودَ خَلْقِهِ عَلَى سِتَّةِ أنْوَاعٍ: مَلْمُوسٍ وَمَوْزُونٍ وَمَنْظُورٍ إلَيْهِ وَمَا لاَ ذَوْقَ لَهُ وَهُوَ الرُّوحُ وَمِنْها مَنْظُورٌ إلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ وَزْنٌ وَلاَ لَمْسٌ وَلاَ حِسٌّ وَلاَ لَوْنٌ وَلاَ ذَوْقٌ وَالتَّقْدِيرُ وَالأعْرَاضُ وَالصُّوَرُ وَالطُّولُ وَالْعَرْضُ، وَمِنْهَا العَمَلُ وَالحَرَكَاتُ الَّتِي تَصْنَعُ الأشْيَاءَ وَتَعْمَلُهَا وَتُغَيِّرُهَا مِنْ حَالٍ إلى حَالٍ وَتَزِيدُهَا وَتُنْقِصُهَا. فَأمّا الأعْمَالُ وَالحَرَكَاتُ فَإنَّهَا تَنْطَلِقُ لأَنَّهُ لا وَقْتَ لَها أكْثَرَ مِنْ قَدْرِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ. فَإذَا فَرَغَ مِنَ الشَّيءِ انْطَلَقَ بِالحَرَكَةِ وَبَقِيَ الأَثَرُ وَيَجْرِي مَجْرَى الكَلاَمِ، يَذْهَبُ وَيَبْقَى أثَرُهُ.قَالَ عِمْرَانُ: يَا سَيِّدِي، ألاَ تُخْبِرُنِي عَنِ الخَالِقِ إذَا كَانَ وَاحِداً لاَ شَيءَ غَيْرَهُ وَلاَ شَيْءَ مَعَهُ؟ ألَيْسَ قَدْ تَغَيَّرَ بِخَلْقِهِ الخَلْقُ؟قَالَ لَهُ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: قَدِيمٌ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَزَّ وَجَلَّ بِخَلْقِهِ الخَلْقُ وَلكِنَّ الخَلْقَ يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِهِ.قَالَ عِمْرَانُ: يَا سَيِّدِي فَبِأَيِّ شَيْءٍ عَرَفْنَاهُ؟قَالَ: بِغَيْرِهِ.قَالَ: فَأيُّ شَيءٍ غَيْرُهُ؟قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: مَشِيَّتُهُ وَاسْمُهُ وَصِفَتُهُ وَمَا أشْبَهَ ذَلِكَ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ مُدَبَّرٌ.قَالَ عِمْرَانُ: يَا سَيِّدِي، فَأيُّ شَيءٍ هُوَ؟ قَالَ: هُوَ نُورٌ بِمَعْنَى أنَّهُ هَادٍ خَلْقَهُ مِنْ أهْلِ السَّمَاءِ وَأهْلِ الأرْضِ، وَلَيْسَ لَكَ عَلَى أكْثَرَ مِنْ تَوْحِيدِي إيَّاهُ.قَالَ عِمْرَانُ: يَا سَيِّدِي، ألَيْسَ قَدْ كَانَ سَاكِتاً قَبْلَ الخَلْقِ لاَ يَنْطِقُ ثُمَّ نَطَقَ؟ قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: لاَ يَكُونُ السُّكُوتُ إلاّ عَنْ نَطْقٍ قَبْلَهُ. وَالمَثَلُ فِي ذَلِكَ أنَّهُ لاَ يُقَالُ لِلسِّرَاجِ هُوَ سَاكِتٌ لاَ يَنْطِقُ، وَلا يُقَالُ إنَّ السِّرَاجَ لَيُضِيءُ فِيمَا يُرِيدُ أنْ يَفْعَلَ بِنَا لأَنَّ الضَّوْءَ مِنَ السِّرَاجِ لَيْسَ بِفِعْلٍ مِنْهُ وَلا كَوْنٍ، وَإنَّما هُوَ لَيْسَ شَيءٌ غَيْرُهُ فَلَمّا اسْتَضَاءَ لَنَا قُلْنَا قَدْ أضَاءَ لَنَا حَتّى اسْتَضَأْنَا بِهِ. فَبِهَذا تَسْتَبْصِرُ أمْرَكَ.قَالَ عِمْرَانُ: يَا سَيِّدِي، فَإنَّ الَّذِي كَانَ عِنْدِي أنَّ الكَائِنَ قَدْ تَغَيَّرَ فِي فِعْلِهِ عَنْ حَالِهِ بِخَلْقِهِ الخَلْقَ. قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: أحَلْتَ يَا عِمْرَانُ فِي قَوْلِكَ أنَّ الكَائِنَ يَتَغَيَّرُ فِي وَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ حَتّى يُصِيبَ الذَّاتَ مِنْهُ مَا يُغَيِّرُهُ. يَا عِمْرَانُ، هَلْ تَجِدُ النَّارَ تُغَيِّرُهَا تَغَيُّرُ نَفْسِهَا؟ وَهَلْ تَجِدُ الحَرَارَةَ تُحْرِقُ نَفْسَهَا؟ أوْ هَلْ رَأيْتَ بَصِيراً قَطُّ رَأى بَصَرَهُ؟قَالَ عِمْرَانُ: لَمْ أَرَ هَذَا إلاَّ أنْ تُخْبِرَنِي يَا سَيِّدِي أهُوَ فِي الخَلْقِ أمِ الخَلْقُ فِيهِ؟قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: أَجَلْ يَا عِمْرَانُ، لَيْسَ هُوَ فِي الخَلْقِ وَلاَ الخَلْقُ فِيهِ. تَعَالى عَنْ ذَلِكَ وَسَاءَ عِلْمُكَ مَا تَعْرِفُهُ، وَلاَ قُوَّةَ الاّ بِاللهِ. أخْبِرْنِي عَنِ المِرْآةِ أنْتَ فِيهَا أمْ هِيَ فِيكَ؟ فَإنْ كَانَ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْكُمَا فِي صَاحِبِهِ فَبِأَيِّ شَيْءٍ إسْتَدْلَلْتَ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ يَا عِمْرَانُ؟قَالَ: بِضَوْءٍ بَيْنِي وَبَيْنَهَا.قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: هَلْ تَرَى مِنْ ذَلِكَ الضَّوْءِ فِي المِرْآةِ أكْثَرَ مِمّا تَرَاهُ فِي عَيْنِكَ؟قَالَ: نَعَمْ.قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: فَأَرِنَاهُ.فَلَمْ يَحْرَ جَوَابـاً. قَالَ: فَلا أرَى النُّورَ إلاّ وَقَدْ دَلَّكَ وَدَلَّ المِرْآةَ عَلَى أنْفُسِكُمَا مِنْ غَيْرِ أنْيَكُونَ فِي وَاحِدٍ مِنْكُمَا. وَلِهَذَا أمْثَالٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ هَذَا، لاَ يَجِدُ الجَاهِلُ فِيهَا مَقَالاً. وَللهِ المَثَلُ الأَعْلَى.ثُمَّ الْتَفَتَ إلى المَأمُونِ فَقَالَ: الصَّلاَةُ قَدْ حَضَرَتْ.فَقَالَ عِمْرَانُ: يَا سَيِّدِي، لا تَقْطَعْ عَلَيَّ مَسْأَلَتِي فَقَدْ رَقَّ قَلْبِي.قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلامُ: نُصَلِّي وَنَعُودُ.فَنَهَضَ، وَنَهَضَ الْمَأْمُونُ. فَصَلَّى الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلامُ دَاخِلاً، وَصَلَّى النَّاسُ خَارِجاً خَلْفَ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ. ثُمَّ خَرَجَا فَعَادَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلامُ إِلَى مَجْلِسِهِ وَدَعَا بِعِمْرَانَ فَقَالَ: سَلْ يَا عِمْرَانُ.قَالَ: يَا سَيِّدِي، ألاَ تُخْبِرُنِي عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، هَلْ يُوَحَّدُ بِحَقِيقَةٍ أوْ يُوَحَّدُ بِوَصْفٍ؟قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: إنَّ اللهَ المُبْدِئَ الوَاحِدَ الكَائِنَ الأَوَّلَ لَمْ يَزَلْ وَاحِداً لاَ شَيْءَ مَعَهُ، فَرْداً لاَ ثَانِيَ مَعَهُ، لاَ مَعْلُوماً وَلاَ مَجْهُولاً، وَلا مُحْكَماً وَلا مُتَشَابِهاً، وَلا مَذْكُوراً وَلاَ مَنْسِيّاً، وَلا شَيْئاً يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ مِنَ الأشْيَاءِ غَيْرِهِ، وَلا مِنْ وَقْتٍ كَانَ وَلا إلى وَقْتٍ يَكُونُ، وَلا بِشَيْءٍ قَامَ وَلا إلى شَيْءٍ يَقُومُ، وَلا إلى شَيْءٍ اِسْتَنَدَ وَلا فِي شَيْءٍ اِسْتَكَنَّ. وَذَلِكَ كُلُّهُ قَبْلَ الخَلْقِ إذْ لاَ شَيْءَ غَيْرُهُ، وَمَا أوْقَعْتُ عَلَيْهِ مِنَ الكُلِّ فَهِيَ صِفَاتٌ مُحْدَثَةٌ وَتَرْجَمَةٌ يَفْهَمُ بِهَا مَنْ فَهِمَ.وَاعْلَمْ أنَّ الإبْدَاعَ وَالمَشِيئَةَ وَالإرَادَةَ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ وَأسْمَاؤها ثَلاثَةٌ. وَكَانَ أوَّلَ إبْدَاعِهِ وَإرَادَتِهِ وَمَشِيَّتِهِ الحُرُوفُ الَّتِي جَعَلَهَا أصْلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَدَلِيلاً عَلَى كُلِّ مَدْرَكٍ وَفَاصِلاً لِكُلِّ مُشْكِلٍ. وَبِتِلْكَ الحُرُوفِ تَفْرِيقُ كُلِّ شَيْءٍ مِنِ اسْمٍ حَقٍّ وَبَاطِلٍ أوْ فِعْلٍ أوْ مَفْعُولٍ أوْ مَعْنىً أوْ غَيْرِ مَعْنى. وَعَلَيْهَا اجْتَمَعَتِ الأُمُورُ كُلُّهَا وَلَمْ يَجْعَلْ لِلْحُرُوفِ فِي إبْدَاعِهِ لَهَا مَعْنًى غَيْـرَأنْفُسِهَا تَتَنَاهَى وَلا وُجُودَ لَهَا لأَنَّهَا مُبْدَعَةٌ بِالإبْدَاعِ. وَالنُّورُ فِي هَذَا المَوْضِعِ أوَّلُ فِعْلِ اللهِ الَّذِي هُوَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ، وَالْحُرُوفُ هِيَ الْمَفْعُولُ بِذَلِكَ الْفِعْلِ وَهِيَ الْحُرُوفُ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ الْكَلاَمِ، وَالْعِبَادَاتُ كُلُّهَا مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَّمَهَا خَلْقَهُ، وَهِيَ ثَلاَثَةٌ وَثَلاَثُونَ حَرْفاً؛ فَمِنْهَا ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ حَرْفاً تَدُلُّ عَلَى لُغَاتِ الْعَرَبِيَّةِ وَمِنَ الثَّمَانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ حَرْفاً تَدُلُّ عَلَى لُغَاتِ السَّرْيَانِيَّةِ وَالعِبْرَانِيَّةِ، وَمِنْهَا خَمْسَةُ أحْرُفٍ مُتَحَرِّفَةٍ فِي سَائِرِ اللُّغَاتِ مِنَ العَجَمِ وَالأقَالِيمِ.وَاللُّغَاتُ كُلُّهَا هِيَ خَمْسَةُ أحْرُفٍ تَحَرَّفَتْ مِنَ الثَّمَانِيَةِ وَالعِشْرِينَ حَرْفاً مِنَ اللُّغَاتِ فَصَارَتِ الْحُرُوفُ ثَلاَثَةً وَثَلاَثِينَ حَرْفاً. فَأمّا الْخَمْسَةُ الْمُخْتَلِفَةُ فَـ: (ي) (ت) (ج) (ح) (خ) لاَ يَجُوزُ ذِكْرُهَا أكْثَرَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ. ثُمَّ جَعَلَ الْحُرُوفَ بَعْدَ إحْصَائِها وَإحْكَامِ عِدَّتِهَا فِعْلاً مِنْهُ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ( كُنْ فَيَكُونُ) وَكُنْ مِنْهُ صُنِعَ وَمَا يَكُونُ بِهِ الْمَصْنُوعُ، فَالْخَلْقُ الأَوَّلُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ الإبْدَاعُ لاَ وَزْنٌ لَهُ وَلاَ حَرَكَةٌ وَلاَ سَمْعٌ وَلاَ لَوْنٌ وَلاَ حِسٌّ. وَالْخَلْقُ الثَّانِي الْحُرُوفُ لاَ وَزْنٌ لَهَا وَلاَ لَوْنٌ، وَهِيَ مَسْمُوعَةٌ مَوْصُوفَةٌ غَيْرُ مَنْظُورٍ إلَيْهَا. وَالْخَلْقُ الثَّالِثُ مَا كَانَ مِنَ الأنْوَاعِ كُلِّهَا مَحْسُوساً مَلْمُوساً ذَا ذَوْقٍ مَنْظُوراً إلَيْهِ.وَاللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالى سَابِقٌ لِلإبْدَاعِ لأَنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ شَيْءٌ وَلا كَانَ مَعَهُ شَيءٌ، وَالإبْدَاعُ سَابِقٌ لِلْحُرُوفِ وَالْحُرُوفُ لاَ تَدُلُّ عَلَى غَيْرِ نَفْسِهَا.قَالَ الْمَأمُونُ: وَكَيْفَ لاَ تَدُلُّ عَلَى غَيْرِ أنْفُسِهَا؟قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: لأَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالى لاَ يَجْمَعُ مِنْهَا شَيْئاً لِغَيْرِ مَعْنىً أبَداً؛ فَإذَا ألَّفَ مِنْهَا أحْرُفاً أرْبَعَةً أوْ خَمْسَةً أوْ سِتَّةً أوْ أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أوْ أقَلَّ لَمْ يُؤَلِّفْهَا بِغَيْرِ مَعْنى وَلَمْ يَكُنْ إلاَّ لِمَعْنى مُحْدَثٍ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ شَيءٌ.قَالَ عِمْرَانُ: فَكَيْفَ لَنَا بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ؟قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: أمَّا الْمَعْرِفَةُ فَوَجْهُ ذَلِكَ وَبَيَانُهُ أنَّـكَ تَذْكُرُ الْحُرُوفَ إذَا لَمْ تُرِدْ بِهَـا غَيْرَ نَفْسِهَا ذَكَرْتَهَا فَرْداً فَقُلْتَ: (ألف) (باء) (تاء) (ثاء) (جيم) (حاء) (خاء)… حِتّى تَأتِيَ عَلَى آخِرِهَا فَلَمْ تَجِدْ لَهَا مَعْنَىً غَيْرَ أنْفُسِهَا، وَإذَا ألَّفْتَهَا وَجَمَعْتَ مِنْهَا أحْرُفاً وَجَعَلْتَها اسْماً وَصِفَةً لِمَعْنىً ما طَلَبْتَ وَوَجْهٍ مَا عَنَيْتَ، كَانَتْ دَلِيلَهُ عَلَى مَعَانِيهَا دَاعِيَةً إلى الْمَوْصُوفِ بِهَا. أفَهِمْتَهُ؟قَالَ: نَعَمْ.قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: وَاعْلَمْ أنَّهُ لاَ يَكُونُ صِفَةٌ لِغَيْرِ مَوْصُوفٍ وَلا اسْمٌ لِغَيْرِ مَعْنى وَلا حَدٌّ لِغَيْرِ مَحْدُودٍ. وَالصِّفَاتُ وَالأسْمَاءُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ وَالوُجُودِ، وَلا تَدُلُّ عَلَى الإحَاطَةِ كَمَا تَدُلُّ الحُدُودُ الَّتِي هِيَ التَّرْبِيعُ وَالتَّثْلِيثُ وَالتَّسْدِيسُ، لأنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ تُدْرَكُ مَعْرِفَتُهُ بِالصِّفَاتِ وَالأسْمَاءِ ولاَ تُدْرَكُ بِالتَّحْدِيدِ بِالطُّولِ وَالعَرْضِ وِالقِلَّةِ وَالكَثْرَةِ وَاللَّوْنِ وَالوَزْنِ وَمَا أشْبَهَ ذَلِكَ. وَلَيْسَ يَحِلُّ باللهِ تَقَدَّسَ شَيءٌ مِنْ ذَلِكَ حَتّى يَعْرِفَهُ خَلْقُهُ بِمَعْرِفَتِهِمْ أنْفُسَهُمْ بِالضَّرُورَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا، وَلَكِنْ يُدَلُّ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِصِفَاتِهِ وَيُدْرَكُ بِأسْمَائِهِ وَيُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِخَلْقِهِ. لاَ يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ الطَّالِبُ الْمُرْتَادُ إلى رُؤيَةِ عَيْنٍ وَلا اسْتِماعِ أُذُنٍ وَلا لَمْسِ كَفٍّ وَلا إحَاطَةٍ بِقَلْبٍ؛ وَلَوْ كَانَتْ صِفَاتُهُ جَلَّ ثَنَاؤهُ لاَ تَدِلُّ عَلَيْهِ وَأسْمَاؤهُ لا تَدْعُو إلَيْهِ وَالْمَعْلَمَةُ مِنَ الخَلْقِ لاَ تُدْرِكُهُ لِمَعْنَاهُ، كَانَتِ العِبَادَةُ مِنَ الخَلْقِ لأسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ دُونَ مَعْنَاهُ. فَلَوْلا أنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَكَانَ الْمَعْبُودُ الْم��وَحَّدُ غَيْرَ اللهِ، لأنَّ صَفَاتِهِ وَأسْمَائَهُ غَيْرُهُ. أفَهِمْتَ؟قَالَ: نَعَمْ يَا سَيِّدِي، زِدْنِي.قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: إيَّاكَ وَقَوْلَ الجُهَّالِ مِنْ أهْلِ العَمَى وَالضَّلالِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ اللهَ جَلَّ وَتَقَدَّسَ مَوْجُودٌ فِي الآخِرَةِ لِلْحِسَابِ فِي الثَّوَابِ وَالعِقَابِ، وَلَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي الدُّنْيَا لِلطَّاعَةِ وَالرَّجَاءِ! وَلَوْ كَانَ فِي الوُجُودِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ نَقْصٌ وَاهْتِضَامٌ لَمْ يُوجَدْ فِي الآخِـرَةِأبَداً. وَلكِنَّ القَوْمَ تَاهوا وَعَمُوا وَصَمُّوا عَنِ الحَقِّ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أعْمَى وَأضَلُّ سَبِيلاً) يَعْني أعْمَى عَنِ الحَقَائِقِ الْمَوْجُودَةِ. وَقَدْ عَلِمَ ذَووا الألْبَابِ أنَّ الاسْتِدْلالَ عَلَى مَا هُنَاكَ لاَ يَكُونُ إلاَّ بِمَا هَا هُنَا، وَمَنْ أخَذَ عِلْمَ ذَلِكَ بِرَأيِهِ وَطَلَبَ وُجُودَهُ وَإدْراكَهُ عَنْ نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهَا لَمْ يَزْدَدْ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ إلاَّ بُعْداً، لأنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ عِلْمَ ذَلِكَ خَاصَّةً عِنْدَ قَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَيَعْلَمُونَ وَيَفْهَمُونَ.قَالَ عِمْرَانُ: يَا سَيِّدِي، ألاَ تُخْبِرُنِي عَنِ الإبْدَاعِ، أخَلْقٌ هُوَ أمْ غَيْرُ خَلْقٍ؟قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: بَلْ خَلْقٌ سَاكِنٌ لاَ يُدْرَكُ بِالسُّكُونِ، وَإنَّمَا صَارَ خَلْقاً لأنَّهُ شَيءٌ مُحْدَثٌ، وَاللهُ تَعَالى الَّذِي أحْدَثَهُ فَصَارَ خَلْقاً لَهُ. وَإنَّما هُوَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَخَلْقُهُ لاَ ثَالِثَ بَيْنَهُمَا وَلاَ ثَالِثَ غَيْرَهُمَا. فَمَا خَلَقَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَعْدُ أنْ يَكُونَ خَلْقَهُ وَيَكُونَ الخَلْقُ سَاكِناً وَمُتَحَرِّكاً وَمُخْتَلِفاً وَمُؤْتَلِفاً وَمَعْلُوماً وَمُتَشَابِهاً، وَكُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ حَدٌّ فَهُوَ خَلْقُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.وَاعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَا أوْجَدَتْكَ الحَوَاسُّ فَهُوَ مَعْنىً مُدْرِكٌ لِلْحَوَاسِّ، وَكُلُّ حَاسَّةٍ تَدُلُّ عَلَى مَا جَعَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَها فِي إدْرَاكِهَا وَالفَهْمِ مِنَ القَلْبِ بِجَمِيعِ ذَلِكَ كُلِّهِ. وَاعْلَمْ أنَّ الوَاحِدَ الَّذِي هُوَ قَائِمٌ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ وَلاَ تَحْدِيدٍ خَلَقَ خَلْقاً مُقَدَّراً بِتَحْدِيدٍ وَتَقْدِيرٍ، وَكَانَ الَّذِي خَلَقَ خَلْقَيْنِ اثْنَيْنِ: التَّقْدِيرَ وَالمُقَدَّرَ، وَلَيْسَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْنٌ وَلاَ وَزْنٌ وَلاَ ذَوْقٌ، فَجَعَلَ أحَدَهُمَا يُدْرَكُ بِالآخَرِ وَجَعَلَهُمَا مُدْرِكَيْنِ بِنَفْسِهِمَا وَلَمْ يَخْلُقْ شَيْئاً فَرْداً قَائِماً بِنَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ لِلَّذِي أرَادَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَإثْبَاتِ وُجُودِهِ.فَاللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالى فَرْدٌ وَاحِدٌ لاَ ثَانِيَ مَعَهُ يُقَيِّمُهُ وَلا يَعْضُدُهُ وَلا يُكِنُّهُ، وَالخَلْقُ يُمْسِكُ بَعْضُهُ بَعْضاً بِإذْنِ اللهِ تَعَالى وَمَشِيئَتِهِ، وَإنَّمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذا البَابِ حَتّى تَاهوا وَتَحَيَّرُوا وَطَلَبُوا الخَلاصَ مِنَ الظُّلْمَةِ بِالظُّلْمَةِ فِي وَصْفِهِمُ اللهَ تَعَالى بِصِفَةِ أنْفُسِهِمْ فَازْدادُوا مِنَ الحَقِّ بُعْداً. وَلَوْ وَصَفُوا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِصِفَاتِهِ وَوَصَفُوا الْمَخْلُوقِينَ بِصِفَاتِهِمْ لَقَالُوا بِالْفَهْمِ وَالْيَقِينِ وَلَمَا اخْتَلَفُوا. فَلَمَّا طَلَبُوا مِنْ ذَلِكَ مَا تَحَيَّرُوا فِيهِ ارْتَكَبُوا. وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.قَالَ عِمْرَانُ: يَا سَيِّدِي، أشْهَدُ أنَّهُ كَمَا وَصَفْتَ، وَلَكِنْ بَقِيَتْ لِي مَسْأَلَةٌ.قَالَ: سَلْ عَمّا أرَدْتَ.قَالَ: أسْألُكَ عَنِ الحَكِيمِ؛ فِي أيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ وَهَلْ يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ؟ وَهَلْ يَتَحَوَّلُ مِنْ شَيءٍ إلى شَيءٍ؟ أوْ بِهِ حَاجَةٌ إلى شَيءٍ؟قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: أُخْبِرُكَ يَا عِمْرَانُ فَاعْقِلْ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ، فَإنَّهُ مِنْ أغْمَضِ مَا يَرِدُ عَلَى الخَلْقِ فِي مَسَائِلِهِمْ، وَلَيْسَ يَفْهَمُ المُتَفَاوِتُ عَقْلُهُ العَازِبُ حِلْمُهُ وَلا يَعْجَزُ عَنْ فَهْمِهِ أولُوا العَقْلِ المُنْصِفُونَ. أمَّا تَأوِيلُ ذَلِكَ فَلَوْ كَانَ خَلَقَ مَا خَلَقَ لِحَاجَةٍ مِنْهُ لَجَازَ لِقَائِلٍ أنْ يَقُولَ يَتَحَوَّلُ إلى مَا خَلَقَ لِحَاجَتِهِ إلى ذَلِكَ؛ وَلَكِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئاً لِحَاجَةٍ وَلَمْ يَزَلْ ثَابِتاً لاَ في شَيءٍ وَلا عَلَى شَيءٍ.إنَّ الخَلْقَ يُمْسِكُ بَعْضُهُ بَعْضاً وَيَدْخُلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ وَيَخْرُجُ مِنْهُ، وَاللهُ جَلَّ وَتَقَدَّسَ بِقُدْرَتِهِ يُمْسِكُ ذَلِكَ كُلِّهِ وَلَيْسَ يَدْخُلُ في شَيءٍ وَلا يَخْرُجُ مِنْهُ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُ وَلا يَعْجَزُ عَنْ إمْسَاكِهِ وَلا يَعْرِفُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ كَيْفَ ذَلِكَ إلاَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ أطْـلَعَهُ عَلَيْهِ مِـنْرُسُلِهِ وَأهْلِ سِرِّهِ وَالمُسْتَحْفَظِينَ لأمْرِهِ وَخُزَّانِهِ القَائِمِينَ بِشَرِيعَتِهِ.وَإنَّمَا أمْرُهُ كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هُوَ أقْرَبُ. إذَا شَاءَ شَيْئاً فَإنَّمَا يَقُولُ لَهُ (كُنْ فَيَكُونُ) بِمَشِيئَتِهِ وَإرَادَتِهِ. وَلا شَيْءَ مِنْ خَلْقِهِ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ وَلا شَيْءَ أبْعَدُ مِنْهُ مِنْ شَيْءٍ. أَفَهِمْتَ يَا عِمْرَانُ؟قَالَ نَعَمْ يَا سَيِّدِي، قَدْ فَهِمْتُ. وَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى مَا وَصَفْتَ وَوَحَّدْتَ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ الْمَبْعُوثُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ.ثُمَّ خَرَّ سَاجِداً نَحْوَالْقِبْلَةِ وَأَسْلَمَ.قَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّوْفَلِيُّ: فَلَمَّا نَظَرَ الْمُتَكَلِّمُونَ إِلَى كَلامِ عِمْرَانَ الصَّابِي، وَكَانَ جَدِلاً لَمْ يَقْطَعْهُ عَنْ حُجَّتِهِ أَحَدٌ قَطُّ، لَمْ يَدْنُ مِنَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلامُ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَمْ يَسْأَلُوهُ عَنْ شَيْ‏ءٍ. وَأَمْسَيْنَا فَنَهَضَ الْمَأْمُونُ وَالرِّضَا عَلَيْهِ السَّلامُ فَدَخَلا وَانْصَرَفَ النَّاسُ.وَكُنْتُ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا إِذْ بَعَثَ إِلَيَّ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ لِي: يَا نَوْفَلِيُّ أَمَا رَأَيْتَ مَا جَاءَ بِهِ صَدِيقُكَ لا وَاللَّهِ مَا ظَنَنْتُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى خَاضَ فِي شَيْ‏ءٍ مِنْ هَذَا قَطُّ وَلا عَرَفْنَاهُ بِهِ إِنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِالْمَدِينَةِ أَوْ يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَصْحَابُ الْكَلامِ قُلْتُ قَدْ كَانَ الْحَاجُّ يَأْتُونَهُ فَيَسْأَلُونَهُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ حَلالِهِمْ وَحَرَامِهِمْ فَيُجِيبُهُمْ وَرُبَّمَا كَلَّمَ مَنْ يَأْتِيهِ يُحَاجُّهُ فَقَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ يَا بَا مُحَمَّدٍ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْسُدَهُ هَذَا الرَّجُلُ فَيَسُمَّهُ أَوْ يَفْعَلَ بِهِ بَلِيَّةً فَأَشِرْ عَلَيْهِ بِالإِمْسَاكِ عَنْ هَذِهِ الأَشْيَاءِ قُلْتُ إِذاً لا يَقْبَلُ مِنِّي وَمَا أَرَادَ الرَّجُلُ إِلا امْتِحَانَهُ لِيَعْلَمَ هَلْ عِنْدَهُ شَيْ‏ءٌ مِنْ عُلُومِ آبَائِهِ‏ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَالَ لِي: قُلْ لَهُ: إِنَّ عَمَّكَ قَدْ كَرِهَ هَذَا الْبَابَ وَأَحَبَّ أَنْ تُمْسِكَ عَنْ هَذِهِ الأَشْيَاءِ لِخِصَالٍ شَتَّى فَلَمَّا انْقَلَبْتُ إِلَى مَنْزِلِ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلامُ أَخْبَرْتُهُ بِمَا كَانَ مِنْ عَمِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ فَتَبَسَّمَ‏ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّقَالَ حَفِظَ اللَّهُ عَمِّي مَا أَعْرَفَنِي بِهِ لِمَ كَرِهَ ذَلِكَ يَا غُلامُ صِرْ إِلَى عِمْرَانَ الصَّابِي فَأْتِنِي بِهِ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَنَا أَعْرِفُ مَوْضِعَهُ وَهُوَعِنْدَ بَعْضِ إِخْوَانِنَا مِنَ الشِّيعَةِ قَالَ فَلا بَأْسَ قَرِّبُوا إِلَيْهِ دَابَّةً فَصِرْتُ إِلَى عِمْرَانَ فَأَتَيْتُهُ بِهِ فَرَحَّبَ بِهِ وَدَعَا بِكِسْوَةٍ فَخَلَعَهَا عَلَيْهِ وَحَمَلَهُ وَدَعَا بِعَشَرَةِ آلافِ دِرْهَمٍ فَوَصَلَهُ بِهَا فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ حَكَيْتَ فِعْلَ جَدِّكَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ‏ عَلَيْهِ السَّلامُ قَالَ هَكَذَا يَجِبُ ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِ السَّلامُ بِالْعِشَاءِ فَأَجْلَسَنِي عَنْ يَمِينِهِ وَأَجْلَسَ عِمْرَانَ عَنْ يَسَارِهِ حَتَّى إِذَا فَرَغْنَا قَالَ لِعِمْرَانَ انْصَرِفْ مُصَاحِباً وَبَكِّرْ عَلَيْنَا نُطْعِمْكَ طَعَامَ الْمَدِينَةِ فَكَانَ عِمْرَانُ بَعْدَ ذَلِكَ يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ الْمُتَكَلِّمُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْمَقَالاتِ فَيُبْطِلُ أَمْرَهُمْ حَتَّى اجْتَنَبُوهُ وَوَصَلَهُ الْمَأْمُونُ بِعَشَرَةِ آلافِ دِرْهَمٍ وَأَعْطَاهُ الْفَضْلُ مَالاً وَحَمَلَهُ وَوَلاهُ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلامُ صَدَقَاتِ بَلْخٍ فَأَصَابَ الرَّغَائِب‏.
الموضوعات الإمام علي الرضاأهل البيتحدث تاريخي

روايات مشابهة

  • عيون أخبار الرضا #٥٣١ يُحْكَى لِلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلامُ خَبَرٌ مُخْتَلِفُ الأَلْفَاظِ لَمْ تَقَعْ لِي رِوَايَتُهُ بِإِسْنَادٍ أَعْمَلُ عَلَيْهِ وَقَدِ...
  • عيون أخبار الرضا #٥٣٠ سَأَلَنِي أَبُو قُرَّةَ صَاحِبُ الْجَاثَلِيقِ أَنْ أُوصِلَهُ إِلَى الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلامُ فَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ...
كل الروايات في مجلس مناظرة الرضا (عليه السلام) مع كبار المتكلمين من بين الخطباء والملل المختلفة تصفّح جميع الكتب ابحث في مزيد من الروايات
قاعدة بيانات الحديث

ابحث وتصفّح وادرس الروايات الشيعية بالعربية والإنجليزية.

استكشف
المستجدّات إرشادات البحث توثيق الواجهة البرمجية
تواصل
rewayaat.org@gmail.com مستودع GitHub
© ٢٠٢٦ قاعدة بيانات الحديث
المحتوى والترجمات تبقى مسؤولية مصادرها الأصلية.