حديث
٤٩
۞
13 - حدثنا علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق رحمه الله، قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي قال: حدثنا محمد بن إسماعيل البرمكي، قال: حدثني علي بن العباس، قال: حدثني إسماعيل بن مهران الكوفي، عن إسماعيل بن إسحاق الجهني، عن فرج بن فروة، عن مسعدة بن صدقة، قال
سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: بينما أمير المؤمنين عليه السلام يخطب على المنبر بالكوفة إذ قام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين صف لنا ربك تبارك وتعالى لنزداد له حبا وبه معرفة، فغضب أمير المؤمنين عليه السلام، ونادى الصلاة جامعة فاجتمع الناس حتى غص المسجد بأهله، ثم قام متغير اللون فقال: الحمد لله الذي لا يفره المنع، ولا يكديه الاعطاء إذ كل معط منتقص سواه، الملئ بفوائد النعم وعوائد المزيد، وبجوده ضمن عيالة الخلق، فأنهج سبيل الطلب للراغبين إليه، فليس بما سئل أجود منه بما لم يسأل، وما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال، ولو وهب ما تنفست عنه معادن الجبال وضحكت عنه أصداف البحار من فلذ اللجين وسبائك العقيان ونضائد المرجان لبعض عبيده، لما أثر ذلك في وجوده ولا أنفد سعة ما عنده، ولكان عنده من ذخائر الافضال ما لا ينفذه مطالب السؤال ولا يخطر لكثرته على بال، لأنه الجواد الذي لا تنقصه المواهب، ولا ينحله إلحاح الملحين (وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) الذي عجزت الملائكة على قربهم من كرسي كرامته، وطول ولههم إليه وتعظيم جلال عزه، وقربهم من غيب ملكوته أن يعلموا من أمره إلا ما أعلمهم، وهم من ملكوت القدس بحيث هم من معرفته على ما فطرهم عليه أن قالوا: (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم) . فما ظنك أيها السائل بمن هو هكذا، سبحانه وبحمده، لم يحدث فيمكن فيه التغير والانتقال، ولم يتصرف في ذاته بكرور الأحوال ولم يختلف عليه حقب الليالي والأيام الذي ابتدع الخلق على غير مثال امتثله ولا مقدار احتذى عليه من معبود كان قبله ولم تحط به الصفات فيكون بإدراكها إياه بالحدود متناهيا، وما زال - ليس كمثله شئ - عن صفة المخلوقين متعاليا وانحسرت الأبصار عن أن تناله فيكون بالعيان موصوفا وبالذات التي لا يعلمها إلا هو عند خلقه معروفا، وفات لعلوه على أعلى الأشياء مواقع رجم المتوهمين وارتفع عن أن تحوي كنه عظمته فهاهة رويات المتفكرين، فليس له مثل فيكون ما يخلق مشبها به وما زال عند أهل المعرفة به عن الأشباه والأضداد منزها، كذب العادلون بالله إذ شبهوه بمثل أصنافهم وحلوه حلية المخلوقين بأوهامهم، وجزوه بتقدير منتج خواطرهم وقدروه على الخلق المختلفة القوى بقرائح عقولهم وكيف يكون من لا يقدر قدره مقدرا في رويات الأوهام، وقد ضلت في إدراك كنهه هواجس الأحلام لأنه أجل من أن يحده ألباب البشر بالتفكير، أو يحيط به الملائكة على قربهم من ملكوت عزته بتقدير، تعالى عن أن يكون له كفو فيشبه به لأنه اللطيف الذي إذا أرادت الأوهام أن تقع عليه في عميقات غيوب ملكه، وحاولت الفكر المبرأة من خطر الوسواس إدراك علم ذاته وتولهت القلوب إليه لتحوي منه مكيفا في صفاته وغمضت مداخل العقول من حيث لا تبلغه الصفات لتنال علم إلهيته ردعت خاسئة وهي تجوب مهاوي سدف الغيوب متخلصة إليه سبحانه، رجعت إذ جبهت معترفة بأنه لا ينال بجوب الاعتساف كنه معرفته ولا يخطر ببال أولي الرويات خاطرة من تقدير جلال عزته لبعده من أن يكون في قوى المحدودين لأنه خلاف خلقه، فلا شبه له من المخلوقين وإنما يشبه الشئ بعديله، فأما ما لا عديل له فكيف يشبه بغير مثاله، وهو البدئ الذي لم يكن شئ قبله، والآخر الذي ليس شئ بعده، لا تناله الأبصار من مجد جبروته إذ حجبها بحجب لا تنفذ في ثخن كثافته ولا تخرق إلى ذي العرش متانة خصائص ستراته الذي صدرت الأمور عن مشيته، وتصاغرت عزة المتجبرين دون جلال عظمته، وخضعت له الرقاب، وعنت الوجوه من مخافته وظهرت في بدائع الذي أحدثها آثار حكمته وصار كل شئ خلق حجة له ومنتسبا إليه فإن كان خلقا صامتها فحجته بالتدبير ناطقة فيه، فقدر ما خلق، فأحكم تقديره، ووضع كل شئ بلطف تدبيره موضعه، ووجهه بجهة فلم يبلغ منه شئ حدود منزلته ولم يقصر دون الانتهاء إلى مشيته، ولم يستعصب إذ أمره بالمضي إلى أرادته، بلا معاناة للغوب مسه ولا مكائدة لمخالف له على أمره فتم خلقه، وأذعن لطاعته، ووافى الوقت الذي أخرجه إليه إجابة لم يعترض دونها ريث المبطئ ولا أناة المتلكئ فأقام من الأشياء أودها (١) ونهى معالم حدودها، ولأم بقدرته بين متضادتها (٢) ووصل أسباب قرائنها (٣) وخالف بين ألوانها، وفرقها أجناسا مختلفات في الأقدار والغرائز والهيئات، بدايا خلائق أحكم صنعها، وفطرها على ما أراد إذ ابتدعها، انتظم علمه صنوف ذرئها، وأدرك تدبيره حسن تقديرها. أيها السائل إعلم من شبه ربنا الجليل بتباين أعضاء خلقه وبتلاحم أحقاق مفاصلهم المحتجبة بتدبير حكمته أنه لم يعقد غيب ضميره على معرفته (٤) ولم يشاهد قلبه اليقين بأنه لا ند له، وكأنه لم يسمع بتبري التابعين من المتبوعين وهم يقولون: ﴿تالله أن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين﴾ فمن ساوى ربنا بشئ فقد عدل به، والعادل به كافر بما نزلت به محكمات آياته، ونطقت به شواهد حجج بيناته، لأنه الله الذي لم يتناه في العقول فيكون في مهب فكرها مكيفا، وفي حواصل رويات همم النفوس محدودا مصرفا المنشئ أصناف الأشياء بلا روية احتاج إليها، ولا قريحة غريزة أضمر عليها، ولا تجربة أفادها من مر حوادث الدهور (١) ولا شريك أعانه على ابتداع عجائب الأمور، الذي لما شبهه العادلون بالخلق المبعض المحدود في صفاته، ذي الأقطار والنواحي المختلفة فطبقاته، و كان عز وجل الموجود بنفسه لا بأداته، انتفى أن يكون قدروه حق قدره (٢) فقال تنزيها لنفسه عن مشاركة الأنداد وارتفاعا عن قياس المقدرين له بالحدود من كفرة العباد: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيمة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ ما دلك القرآن عليه من صفته فاتبعه ليوصل بينك وبين معرفته وأتم به واستضئ بنور هدايته، فإنها نعمة وحكمة أوتيتهما فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين، وما دلك الشيطان عليه مما ليس في القرآن عليك فرضه ولا في سنة الرسول وأئمة الهدى أثره فكل علمه إلى الله عز وجل، فإن ذلك منتهى حق الله عليك. واعلم أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم الله عن الاقتحام في السدد المضروبة دون الغيوب فلزموا الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب فقالوا: (آمنا به كل من عند ربنا) فمدح الله عز وجل اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما، وسمى تركهم التعمق في ما لم يكلفهم البحث عنه منهم رسوخا، فاقتصر على ذلك، ولا تقدر عظمة الله (سبحانه) على قدر عقلك فتكون من الهالكين.
روايات مشابهة
- التوحيد #٣٠١ قلت: إنهما اثنان لم يخل من أن يكونا متفقين من كل جهة أو مفترقين من كل جهة فلما رأينا الخلق منتظما والفلك جاريا واختلاف الليل والنهار، والشمس...
- التوحيد #٦٢ خطب أمير المؤمنين عليه السلام الناس في مسجد الكوفة، فقال: الحمد لله الذي لا من شئ كان، ولا من شئ كون ما قد كان، مستشهد بحدوث الأشياء على...
- التوحيد #٣٩ الحمد لله الواحد الأحد الصمد المتفرد، الذي لا من شئ كان، ولا من شئ خلق ما كان، قدرته بان بها من الأشياء، وبانت الأشياء منه، فليست له صفة...
- التوحيد #٣٧ خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يوما خطبة بعد العصر، فعجب الناس من حسن صفته وما ذكر من تعظيم الله جل جلاله، قال: أبو إسحاق:...